دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٣١١ - الملاحظة الثالثة
الملاحظة الثالثة:
إذا كان العقل [١] يحكم بأصل وجوب طاعة المولى، فنأتي إلى العقل و نطلب منه أن يحدّد لنا دائرة طاعة المولى، فنسأله السؤال التالي:
أيها العقل الذي حكمت بطاعة المولى ما هي حدود حق الطاعة للمولى على المأمور؟
بعبارة أخرى: ما ذا يقول العقل في تحديد حدود دائرة مولوية المولى و دائرة حق الطاعة؟
في أي شيء يجب علينا حق الطاعة و في أي شيء لا يجب؟ فإذا حدّدنا المولى ففيم نطيع هذا المولى؟
مثلا لو أمر السيد عبده أن يلقي نفسه من شاهق فهل يجب على العبد أن يطيع سيده أو لا يجب؟ و في أي أمر يستطيع المولى أن يثيبنا أو يعاقبنا؟
هل نطيعه في كل التكاليف المقطوعة، أو أوسع من ذلك بحيث تشمل دائرة حق الطاعة كل تكليف منكشف و لو بالاحتمال، أو أضيق من ذلك بأن نطيع المولى في كل التكاليف المقطوعة التي تأتي عن طريق الشرع فقط دون طريق العقل؟
[١] إن الذي يحكم بهذا الحكم هو العقل العملي لا العقل النظري، و هذا التقسيم للعقل يكون من حيث المدرك، فإذا كان المدرك أمرا نظريا مثل استحالة اجتماع النقيضين فإن العقل يسمى عقلا نظريا، و الأمر النظري هو ما ينبغي أن يعلم و ما لا ينبغي أن يعلم، و إذا كان المدرك أمرا عمليا فإن العقل يسمى عقلا عمليا، و الأمر العملي هو ما ينبغي أن يعمل و ما لا ينبغي أن يعمل، فالصدق ينبغي فعله، و الكذب لا ينبغي فعله، فإدراكنا لحسن الصدق و قبح الكذب من مدركات العقل العملي لا من مدركات العقل النظري.