دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ١٦١ - ١- المعركة ضد استغلال العقل
الخاصة و تفكيرهم الخاص من مرجّحات، و يفتون بما يتّفق مع ظنّهم و ترجيحهم، و يسمّون ذلك استحسانا أو اجتهادا، و جاء في كلام لأبي حنيفة و هو يحدّد نهجه العام في الاستنباط:" آخذ بكتاب اللّه، فما لم أجد فبسنة رسول اللّه، فما لم أجد في كتاب اللّه و لا في سنة رسول اللّه أخذت بقول أصحابه، آخذ بقول من شئت منهم و أدع من شئت منهم، و لا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر أو جاء إلى إبراهيم و الشعبي و ابن سيرين و الحسن و العطاء و سعيد بن المسيب- و عدّد رجالا- فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا" [١].
و ما دعا إلى قيام هذه المدرسة هو الفكرة الشائعة عندهم و التي كانت تقول: إن البيان الشرعي المتمثل في الكتاب و السنة قاصر لا يشتمل إلا على أحكام قضايا محدودة، و لا يتّسع لتعيين الحكم الشرعي في كثير من القضايا و المسائل.
و ما ساعد على شيوع هذه الفكرة عند فقهاء أهل السنة اعتقادهم أن السنة هي المأثورة عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقط، و أما فقهاء الإمامية الذين كانوا يؤمنون أن البيان الشرعي لا يزال مستمرا باستمرار الأئمة :، فلم يوجد لديهم أي دافع نفسي للتوسّع غير المشروع في نطاق العقل.
و تفاقم خطر قول أهل السنة من اتّهام القرآن و السنة بالنقص إلى اتّهام التشريع الإلهي بالنقص و عدم استيعابه لمختلف شئون الحياة، و أن التشريع في
[١] تاريخ ابن معين ج ٢ ص ٥١، تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج ١٣ ص ٣٦٥، تهذيب الكمال للمزي ج ٢٩ ص ٤٤٣.