الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٧٨
الحجة الأولى أن تقييد الحكم بالصفة لو دل على نفيه عند نفيها
إما أن يعرف ذلك بالعقل أو النقل والعقل لا مجال له في اللغات والنقل إما
متواتر وآحاد ولا سبيل إلى التواتر والآحاد لا تفيد غير الظن وهو غير معتبر
في إثبات اللغات لأن الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى ورسوله صلى
الله عليه وسلم بقول الآحاد مع جواز الخطإ والغلط عليه يكون ممتنعا.
ولقائل أن يقول إن سلمنا أن ذلك لا يعرف إلا بالنقل ولكن لا نسلم
امتناع إثبات ذلك بالآحاد إذ المسألة عندنا غير قطعية بل ظنية مجتهد فيها
بنفي أو إثبات بل غلبة ظن تجري فيها التخطئة الظنية دون القطعية كما في
سائر مسائل الفروع الاجتهادية كيف وإن اشتراط التواتر في إثبات اللغات إما
أن يكون في كل كلمة ترد عن أهل اللغة أو في البعض دون البعض القول بالتفصيل
تحكم غير معقول كيف وأنه لا قائل به وإن كان ذلك شرطا في الكل فذلك مما
يفضي إلى تعطيل التمسك بأكثر اللغة لتعذر التواتر فيها ويلزم من ذلك تعطيل
العمل بأكثر ألفاظ الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والمحذور في ذلك فوق
المحذور في قبول خبر الواحد المعروف بالعدالة والضبط والمعرفة وهو تطرق
الكذب أو الخطإ عليه مع أن الغالب صدقه وصحه نقله . ولهذا كان العلماء في
كل عصر وإلى زمننا هذا يكتفون في إثبات الأحكام الشرعية المستندة إلى
الألفاظ اللغوية بنقل الآحاد المعروفين بالثقة والمعرفة كالأصمعي والخليل
وأبي عبيدة وأمثالهم.
الحجة الثانية أنه لو كان تقييد الحكم بالصفة يدل على نفيه عند
عدمها لما حسن الاستفهام عن الحكم في حال نفيها لا عن نفيه ولا عن إثباته
لكونه استفهاما عما دل عليه اللفظ كما لو قال له لا تقل لزيد أف فإنه دل
على امتناع ضربه فإنه لا يحسن أن يقال فهل أضربه ولا شك في حسنه لو قال أد
الزكاة عن غنمك السائمة فإنه يحسن أن يقال وهل أؤديها عن المعلوفة
ولقائل أن يقول حسن الاستفهام إنما كان لطلب الأجلى والأوضح لكون
دلالة الخطاب ظاهرة ظنية غير قطعية ولهذا فإنهم لم يستقبحوا الاستفهام ممن
قال رأيت أسدا أو بحرا أو دخل السلطان البلد بأن يقال هل رأيت الحيوان
المخصوص أو إنسانا شجاعا وهل رأيت البحر الذي هو الماء المخصوص أو إنسانا
كريما وهل رأيت