الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٢١
فيبقى فيه على حكم الأصل. غير أنا خالفناه في تصويب واحد غير معين للإجماع ولا إجماع فيما نحن فيه فوجب القضاء بنفيه.
فإن قيل وإن كان الأصل عدم الدليل المخالف للنفي الأصلي إلا أنه قد وجد ودليله من جهة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب فقوله تعالى في حق داود وسليمان:وكلا آتينا حكما وعلما[١] ولو كان أحدهما مخطئا لما كان ما صار إليه حكما لله ولا علما.
وأما السنة فقوله عليه السلام أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم
ووجه الاحتجاج به أنه عليه السلام جعل الاقتداء بكل واحد من الصحابة هدى
مع اختلافهم في الأحكام نفيا وإثباتا كما بيناه قبل. فلو كان فيهم مخطىء
لما كان الاقتداء به هدى بل ضلالة.
وأما الإجماع فهو أن الصحابة اتفقوا على تسويغ خلاف بعضهم لبعض من
غير نكير منهم على ذلك بل ونعلم أن الخلفاء منهم كانوا يولون القضاة
والحكام مع علمهم بمخالفتهم لهم في الأحكام ولم ينكر عليهم منكر. ولو تصور
الخطأ في الاجتهاد لما ساغ ذلك من الصحابة كما لم يسوغوا ترك الإنكار على
مانعي الزكاة وكل منكر أنكروه.
وأما من جهة المعقول فمن سبعة أوجه.
الأول أنه لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد في كل مسألة لنصب
الله تعالى عليه دليلا قاطعا دفعا للإشكال وقطعا لحجة المحتج كما هو
المألوف من عادة الشارع في كل ما دعا إليه ومنه قوله تعالى:رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل[٢] وقوله تعالى:وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [٣] وقوله تعالى : ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا [٤] ولو كان عليه دليل قاطع لوجب الحكم على مخالفه بالفسق والتأثيم كالمخالف في العقليات.
>[١]. الأنبياء ٧٩ [٢]. النساء ١٦٥ [٣]. إبراهيم ٤ [٤]. طه ١٣٤