الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٥
وأما الناظر المجتهد فإنه مهما غلب على ظنه شيء من ذلك فلا
يكابر نفسه وكان مؤاخذا بما أوجبه ظنه وعند ذلك فلا بد من بيان طرق الحذف.
الأول منها أن يبين المستدل أن الوصف الذي استبقاه قد ثبت به الحكم
في صورة بدون الوصف المحذوف وهو ملقب بالإلغاء وهو شديد الشبه بالعكس الذي
ليس بمقبول وسيأتي الفرق بينهما . ولا بد من بيان ثبوت الحكم مع الوصف
المستبقي فإنه لو ثبت دونه كما ثبت المحذوف كان ذلك إلغاء للمستبقي أيضا
وعند ذلك فيتبين استقلال المستبقي بالتعليل ومع ظهور ذلك فيمتنع إدخال
الوصف المحذوف في التعليل في محل التعليل لأنه يلزم منه إلغاء وصف المستدل
في الفرع مع استقلاله ضرورة تخلف ما لم يثبت كونه مستقلا وهو ممتنع .
ويمتنع أيضا إضافة الحكم في محل التعليل إلى الوصف المحذوف لا غير لما فيه
من إثبات الحكم بما لم يثبت استقلاله وإلغاء ما ثبت استقلاله وهو ممتنع.
لكن لقائل أن يقول دعوى استقلال الوصف المستبقي في صورة الإلغاء
بالتعليل من مجرد إثبات الحكم مع وجوده وانتفاء الوصف المحذوف غير صحيحة
فإنه لو كان مجرد ثبوت الحكم مع الوصف في صورة الإلغاء كافيا في التعليل
بدون ضميمة ما يدل على استقلالة بطريق من طرق إثبات العلة لكان ذلك كافيا
في أصل القياس ولم يكن إلى البحث والسبر حاجة . وكذا غيره من الطرق فإذا لا
بد من بيان الاستقلال بالاستدلال ببعض طرق إثبات العلة وعند ذلك إن شرع
المستدل في بيان الاستقلال ببعض طرق إثبات العلة فإن بين الاستقلال في صورة
الإلغاء بالبحث والسبر كما أثبت ذلك في الأصل الأول فقد استقلت صورة
الإلغاء بالاعتبار وأمكن أن تكون أصلا لعلته وتبينا أن الأصل الأول لا حاجة
إليه فإن المصير إلى أصل لا يمكن التمسك به في الاعتبار إلا بذكر صورة
أخرى مستقلة بالاعتبار يكون تطويلا بلا فائدة وإن بين الاستقلال بطريق آخر
فيلزمه مع هذا المحذور محذور آخر وهو الانتقال في إثبات كون الوصف . علة من
طريق إلى طريق آخر وهو شنيع في مقام النظر.
الطريق الثاني أن يكون ما يحذفه من جنس ما ألفنا من الشارع عدم
الالتفات إليه في إثبات الأحكام كالطول والقصر والسواد والبياض ونحوه.