الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤١٩
الثالث أن العامي إذا استفتى مجتهدين واختلفا في الحكم فإما أن
يعمل بقوليهما وهو محال أو بقول أحدهما ولا أولوية وإما لا بقول واحد منهما
فيكون متحيرا وهو ممتنع ولقائل أن يقول على الوجه الأول إن المختار إنما
هو القسم الأول من أقسامه.
قولهم الدليلان إما أن يتساويا أو يترجح أحدهما على الآخر قلنا في
نفس الأمر أو في نظر الناظر الأول ممنوع وذلك لأن الأدلة في مسائل الظنون
ليست أدلة لذواتها وصفات أنفسها حتى تكون في نفس الأمر متساوية في جهة
دلالتها أو متفاوتة وإن كان في نظر الناظر فلا نسلم صحة هذه القسمة بل كل
واحد منهما راجح في نظر الناظر الذي صار إليه وذلك لأن الأدلة الظنية مما
تختلف باختلاف الظنون فهي أمور إضافية غير حقيقية كما أن ما وافق غرض زيد
فهو حسن بالنسبة إليه وإن كان قبيحا بالنسبة إلى من خالف غرضه. وعلى هذا
فلا تخطئة على ما ذكروه. وإن سلمنا أن الدليلين في نفسيهما لا يخرجان عن
المساواة أو الترجيح لأحدهما على الآخر غير أن النزاع إنما هو في الخطإ
بمعنى عدم الإصابة لحكم الله في الواقعة لا بمعنى عدم الظفر بالدليل الراجح
ولا يلزم من عدم الظفر بالدليل الراجح عدم الظفر بحكم الله في الواقعة لأن
حكم الله تعالى عندنا عبارة عما أدى إليه نظر المجتهد وظنه لا ما أدى إليه
الدليل الراجح في نفس الأمر.
وعلى الوجه الثاني أن التناقض إنما يلزم أن لو اجتمع النفي والإثبات
والحل والحرمة في حق شخص واحد من جهة واحدة أما بالنظر إلى شخصين فلا.
ولهذا فإن الميتة تحل للمضطر وتحرم على غيره وإفطار رمضان مباح للمريض
والمسافر ومن له عذر دون غيره .وفيما نحن فيه كذلك فأن من وجب عليه الحكم
بالحل الذي أداه نظره إليه غير من وجب عليه الحكم بالتحريم الذي أداه نظره
إليه. ثم لو كان ذلك ممتنعا لما وجب على كل واحد من المجتهدين في القبلة
إذا أدى اجتهاده إلى خلاف ما أدى إليه اجتهاد الآخر التوجه إلى الجهة التي
غلب على ظنه أنها جهة القبلة كتحريم التوجه إليها بالنسبة إلى الآخر ولما
حرم على كل واحد ما وجب على الآخر وهو ممتنع.
وعلى الثالث أن فائدة المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه بل لها فوائد أخر تجب المناظرة لها أو تستحب.