الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٣
جواز خلوه عن العلة فالخلو عنها على خلاف الغالب المألوف من شرع الأحكام
وذلك يدل ظاهرا على استلزام الحكم فيما نحن فيه للعلة وإذا كان لا بد له من
علة فإما بأن تكون ظاهرة أو غير ظاهرة لا جائز أن تكون غير ظاهرة وإلا كان
الحكم تعبدا وهو خلاف الأصل لوجوه ثلاثة
الأول أن إثبات الحكم بجهة التعقل أغلب من إثباته بجهة التعبد وإدراج ما نحن فيه تحت الغالب أغلب على الظن.
الثاني أنه إذا كان الحكم معقول المعنى كان على وفق المألوف من
تصرفات العقلاء وأهل العرف والأصل تنزيل التصرفات الشرعية على وزان
التصرفات العرفية.
الثالث أنه إذا كان معقول المعنى كان أقرب إلى الانقياد وأسرع في
القبول فكان أفضى إلى تحصيل مقصود الشارع من شرع الحكم فكان أولى وإذا كان
لا بد من علة ظاهرة.
فإذا قال المناظر الموجود في محل الحكم لا يخرج عن وصفين أو ثلاثة
مثلا لأني بحثت وسبرت فلم أطلع على ما سواه وكان أهلا للنظر بأن كانت مدارك
المعرفة بذلك لديه متحققة من الحس والعقل وكان عدلا ثقة فيما يقول
.والغالب من حاله الصدق غلب على الظن انتفاء ما سوى المذكور من الأوصاف أو
قال الأصل عدم كل موجود سوى ما وجد من الأوصاف المذكورة .إلا أن يدل الدليل
عليه .والأصل عدم ذلك الدليل فإنه يغلب على الظن الحصر فيما عينه .وإذا
ثبت حصر الأوصاف فيما عينه فإذا بين بعد ذلك حذف البعض عن درجة الاعتبار في
التعليل بدليل صالح مساعد له عليه بحيث يغلب على الظن ذلك فيلزم من مجموع
الأمرين انحصار التعليل فيما استبقاه ضرورة امتناع خلو محل الحكم عن علة
ظاهرة وامتناع وجود ما وراء الأوصاف المذكورة وامتناع إدراج المحذوف في
التعليل لما دل عليه الدليل.
فإن قيل لعله لم يبحث ولم يسبر وإن بحث وسبر فلعله وجد وصفا وراء ما
أدعى الحصر فيه ولم يذكره ترويجا لكلامه وإن لم يجد شيئا وراء المذكور فلا
يدل ذلك على عدمه فإن عدم العلم بالوصف جهل به والجهل بوجود الوصف لا يدل
على عدمه وإن دل على عدمه بالنسبة إلى الباحث فلا يدل على عدمه بالنسبة إلى
الخصم فإنه ربما كان