الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٢٨
أرأيت لو تمضمضت أكان ذلك يفسد الصوم فقال لا وذلك لأن النبي عليه السلام
إنما ذكر ذلك بطريق النقض لما توهمه عمر من كون القبلة مفسدة للصوم لكونها
مقدمة للوقاع المفسد للصوم فنقض النبي عليه السلام ذلك بالمضمضة فإنها
مقدمة للشرب المفسد للصوم وليست مفسدة للصوم أما أن يكون ذلك تنبيها على
تعليل عدم الإفساد بكون المضمضة مقدمة للفساد فلا . وذلك لأن كون القبلة
والمضمضة مقدمة لإفساد الصوم ليس فيه ما يتخيل أن يكون مانعا من الإفطار بل
غايته أن لا يكون مفطرا فكان الأشبه بما ذكره النبي عليه السلام أن يكون
نقضا لا تعليلا.
وأيضا فإن الأصل أن يكون الجواب مطابقا للسؤال لا زائدا عليه ولا
ناقصا عنه أما الزيادة فلعدم تعلق الغرض بها . وأما النقصان فلما فيه من
الإخلال بمقصود السائل . وعمر إنما سأل عن كون القبلة مفسدة للصوم أم لا
فالجواب المطابق إنما يكون بما يدل على الإفساد أو عدمه . وكون القبلة علة
لنفي الفساد غير مسؤول عنه فلا يكون اللفظ الدال على ذلك جوابا مطابقا
للسؤال بخلاف النقض فإنه يتحقق به أن القبلة غير مفسدة فكان جوابا مطابقا
للسؤال.
القسم الرابع أن يفرق الشارع بين أمرين في الحكم بذكر صفة فإن ذلك
يشعر بأن تلك الصفة هي علة التفرقة في الحكم حيث خصصها بالذكر دون غيرها
فلو لم تكن علة لكان ذلك على خلاف ما أشعر به اللفظ وهو تلبيس يصان منصب
الشارع عنه.
وذلك منقسم إلى ما يكون حكم أحد الأمرين مذكورا في ذلك الخطاب دون ذكر الآخر وإلى ما لا يكون مذكورا فيه
الأول كما في قوله عليه السلام القاتل لا يرث فإنه خصص القاتل بعدم الميراث بعد سابقة إرث من يرث.