الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٠٢
وجهات الاستنباط إلا أن وجوب العمل به في حقه مشروط بعدم معرفة الحكم
بالوحي. وهذا الشرط مما لم يتبين في حقه عليه السلام فلا مشروط وهذا بخلاف
علماء أمته فافترقا.
وإن سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تعبده بالقياس والاجتهاد غير أنه معارض بما يدل على عدمه.
وبيانه من جهة الكتاب والمعقول أما الكتاب فقوله تعالى:وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى [١] وقوله تعالى:ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلى[٢] وذلك ينفي أن يكون الحكم الصادر عنه بالاجتهاد.
وأما المعقول فمن عشرة أوجه
الأول أن النبي عليه السلام نزل منزلا فقيل له إن كان ذلك عن وحي
فالسمع والطاعة وإن كان ذلك عن رأي فليس ذلك منزل مكيدة. فقال بل هو بالرأي
فدل على أنه تجوز مراجعته في الرأي وقد علم أنه لا تجوز مراجعته في
الأحكام الشرعية فلا تكون عن رأي.
الثاني أنه لو كان في الأحكام الصادرة عنه ما يكون عن اجتهاد لجاز
أن لا يجعل أصلا لغيره وأن يخالف فيه وأن لا يكفر مخالفه لأن جميع ذلك من
لوازم الأحكام الثابتة بالاجتهاد.
الثالث لو كان متعبدا بالاجتهاد لأظهره ولما توقف على الوحي فيما
كان يتوفق فيه في بعض الوقائع لما فيه من ترك ما وجب عليه من الاجتهاد
واللازم ممتنع.
الرابع أن الاجتهاد لا يفيد سوى الظن والنبي عليه السلام كان قادرا
على تلقي الأحكام من الوحي القاطع والقادر على تحصيل اليقين لا يجوز له
المصير إلى الظن كالمعاين للقبلة لا يجوز له الاجتهاد فيها.
>[١]. النجم ٤ - ٣ [٢]. يونس ١٥