الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٢٦
لكون ( الفاء ) فيه مقدرة وفي الأول محققة ولاحتمال أن يكون قد بدأ به لا
عن قصد الجواب وذلك كما لو قال العبد لسيده قد طلعت الشمس أو غربت .فقال له
اسقني ماء فإنه لا يفهم منه الجواب لسؤاله ولا التعليل بل هو أمر له
ابتداء بسقي الماء وعدول عن السؤال بالكلية إما لذهوله عن السؤال أو لعدم
الالتفات اليه لعدم تعلق الغرض به غير أن هذا الاحتمال وإن كان منقدحا ها
هنا فهو بعيد في حق النبي عليه السلام فيما فرض السؤال عنه إذ الغالب عدم
الذهول وأنه إنما قصد الجواب حتى لا يكون مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة مع
كونه خلاف الظاهر.
القسم الثالث أن يذكر الشارع مع الحكم وصفا لو لم يقدر التعليل
به لما كان لذكره فائدة ومنصب الشارع مما ينزه عنه وذلك لأن الوصف المذكور
إما أن يكون مذكورا مع الحكم في كلام الله تعالى أو كلام رسوله.
فإن كان في كلام الله تعالى وقدرنا أنه لو لم يقدر التعليل به فذكره
لا يكون مفيدا ولا يخفى أن ذلك غير جائز في كلام الله تعالى إجماعا نفيا
لما لا يليق بكلامه عنه.
وإن كان ذلك في كلام رسوله فلا يخفى أن الأصل إنما هو انتفاء العبث
عن العاقل في فعله وكلامه ونسبة ما لا فائدة فيه إليه لكونه عارفا بوجوه
المصالح والمفاسد فلا يقدم في الغالب على ما لا فائدة فيه . واذا كان ذلك
هو الظاهر من آحاد العقلاء فمن هو أهل للرسالة عن الله تعالى ونزول الوحي
عليه وتشريع الأحكام أولى.
وإذا عرف ذلك فيجب اعتقاد كون الوصف المذكور في كلامه مع الحكم علة له.
وهذا القسم على أصناف . وذلك لأن الشارع إما أن يذكر ذلك ابتداء من غير سؤال أو بعد السؤال .
فإن كان من غير سؤال فهو الصنف الأول وذلك كما في حديث ابن مسعود
ليلة الجن حيث توضأ عليه السلام بماء كان قد نبذ فيه تميرات لاجتناب ملوحته
فقال ثمرة طيبة وماء طهور فإنه يدل على جواز الوضوء به . وإلا كان ذكره
ضائعا .لكون ما ذكر ظاهرا غير محتاج إلى بيان.