الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١٧
والجواب عن الأول أن منام الأنبياء فيما يتعلق بالأوامر والنواهي
وحي معمول به وأكثر وحي الأنبياء كان بطريق المنام وقد روي عن النبي صلى
الله عليه وسلم أن وحيه كان ستة أشهر بالمنام ولهذا قال عليه السلام الرؤيا
الصالحة جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوة فكانت نسبة الستة أشهر من ثلاثة
وعشرين سنة من نبوته كذلك ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ما احتلم
نبي قط يعني ما تشكل له الشيطان في المنام على الوجه الذي يتشكل لأهل
الاحتلام كيف وإنه لو كان ذلك خيالا لا وحيا لما جاز لأبراهيم العزم على
الذبح المحرم بمنام لا أصل له ولما سماه بلاء مبينا ولما احتاج إلى الفداء.
وعن الثاني أن قوله:افعل ما تؤمر [١] وإن
لم يكن ظاهرا في الماضي لكنه قد يرد ويراد به الماضي .ولهذا فإنه لو قال
القائل قد أمرني السلطان بكذا فإنه يصح أن يقال له افعل ما تؤمر أي ما أمرت
به وأنت مأمور .ويجب الحمل عليه ضرورة حمل الولد على إخراجه إلى الصحراء
وأخذ آلات الذبح وترويع الولد فإن ذلك كله مما يحرم من غير أمر ولا إذن في
ذلك.
وعن الثالث أن حمل الأمر على العزم أو على مقدمات الذبح على خلاف قوله:إني أرى في المنام أني أذبحك
[٢] ثم لو كان مأمورا بالعزم على الذبح ومقدمات الذبح لا غير لما سماه
بلاء مبينا ولما احتاج إلى الفداء لكون المأمور به مما وقع ولما قال
الذبيح:ستجدني إن شاء الله من الصابرين [٣] فإن ذلك مما لا ضرر عليه فيه .وقوله:قد صدقت الرؤيا
[٤] معناه أنك عملت في المقدمات عمل مصدق للرؤيا بقلبه . لكن لقائل أن
يقول إذا كان قد أمر بإخراج الولد إلى الصحراء وأخذ المدية والحبل وتله
للجبين مع إبهام عاقبة الأمر عليه وعلى ولده فإنه يظهر من ذلك لهما أن
عاقبة الأمر إنما هي الذبح وذلك عين البلاء به يتحقق قول الذبيح:ستجدني إن شاء الله من الصابرين [٥] وأما تسمية الكبش فداء فإنما كان عن الأمر المتوقع لا عن الأمر
>[١]. ٣٧ الصافات ١٠٢ [٢]. ٣٧ الصافات ١٠٢ [٣]. ٣٧ الصافات ١٠٢ [٤]. ٣٧ الصافات ١٠٥ [٥]. ٣٧ الصافات ١٠٢