الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٩٥
لمقصود النفس على مقصود أصل الدين بل على فروعه وفروع الشيء غير أصل
الشيء ثم وإن كان فمشقة الركعتين في السفر تقوم مقام مشقة الأربع في الحضر
وكذلك صلاة المريض قاعدا بالنسبة إلى صلاته قائما وهو صحيح فالمقصود لا
يختلف. وأما أداء الصوم فلأنه لا يفوت مطلقا بل يفوت إلى خلف وهو القضاء
وبه يندفع ما ذكروه من صورة إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة لحفظ المال
أيضا وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال ليس لمصلحة المسلمين
بل لأجل اطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين ليسهل انقياده ويتيسر
استرشاده وذلك من مصلحة الدين لا من مصلحة غيره وكما أن مقصود الدين مقدم
على غيره من مقاصد الضروريات فكذلك ما يتعلق به من مقصود النفس يكون مقدما
على غيره من المقاصد الضرورية أما بالنظر إلى حفظ النسب فلأن حفظ النسب
إنما كان مقصودا لأجل حفظ الولد حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له فلم يكن
مطلوبا لعينه وذاته بل لأجل بقاء النفس مرفهة منعمة حتى تأتي بوظائف
التكاليف وأعباء العبادات. وأما بالنظر إلى حفظ العقل فمن جهة أن النفس أصل
والعقل تبع فالمحافظة على الأصل أولى ولأن ما يفضي إلى فوات النفس على
تقدير أفضليته يفوتها مطلقا وما يفضي إلى تفويت العقل كشرب المسكر لا يفضي
إلى فواته مطلقا فالمحافظة بالمنع مما يفضي إلى الفوات مطلقا أولى. وعلى
هذا أيضا يكون المقصود في حفظ النسب أولى من المقصود في حفظ العقل ومقدم
على ما يفضي إلى حفظ المال لكونه مركب الأمانة وملاك التكليف ومطلوبا
للعبادة بنفسه من غير واسطة ولا كذلك المال ولهذا كانت هذه الرتب مختلفة في
العقوبات المرتبة عليها على نحو اختلافها في أنفسها. وبمثل تفاوت هذه
الرتب يكون التفاوت بين مكملاتها.
الثامن عشر أن يكون الوصف الجامع في أحد القياسين نفس علة حكم
الأصل والآخر دليل علة الأصل وملازمها فالذي فيه الجامع نفس العلة أولى
لظهورها وركون النفس إليها.
التاسع عشر أن تكون علة الأصل في أحد القياسين ملائمة وعلة الآخر غريبة فما علته ملائمة أولى لأنها أغلب على الظن وأبعد عن الخلاف.