الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٠
وصفته في النقود والمواشي وغيرها من أموال الزكاة شيئا فشيئا .وكذلك نزل قوله تعالى: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما [١] ثم بين بعد ذلك ما يجب القطع بسرقته في مقداره وصفته على التدريج .وكذلك نزل قوله تعالى : وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم [٢] ثم نزل تخصيصه بقوله تعالى:ليس على الضعفاء ولا على المرضى [٣] إلى غير ذلك من الأوامر العامة التي لم تبين تفاصيلها إلا بعد مدد.
فإن قيل المؤخر في جميع هذه الأوامر إنما هو البيان التفصيلي
وليس فيها ما يدل على تأخير البيان الإجمالي . كيف وإن الأمر إما أن يكون
على الفور أو التراخي وتمام الإشكال ما سبق.
قلنا وجواب الإشكالين أيضا ما سبق .وأيضا فإن العمومات الواردة في
البيع والنكاح والإرث وردت مطلقة والنبي صلى الله عليه وسلم بين بعد ذلك
على التدريج ما يصح بيعه وما لا يصح ومن يحل نكاحها ومن لا يحل وصفات
العقود وشروطها ومن يرث ومن لا يرث ومقادير المواريث شيئا فشيئا . ومن نظر
في جميع عمومات القرآن والسنة وجدها كذلك .وأيضا فإنه لما نهى النبي صلى
الله عليه وسلم عن المزابنة وشكا الأنصار إليه بعد ذلك رخص لهم في العرايا
وهي نوع من المزابنة مع أنه لم ينقل أنه اقترن بنهيه عن ذلك بيان مجمل ولا
مفصل وهو لا يخلو إما أن يكون ذلك نسخا أو تخصيصا وعلى كلا التقديرين فهو
حجة على المخالف فيه .
وأما من جهة المعقول فهو أنه لو امتنع تأخير البيان لم يخل إما أن
يكون ذلك ممتنعا لذاته أو لأمر من خارج .لا جائز أن يكون لذاته فإنا لو
فرضناه واقعا لا يلزم عنه المحال لذاته وإن كان لأمر خارج فلا يخفى أنه لا
فارق بين حالة وجود البيان وعدمه سوى علم المكلف بالمراد من الكلام حالة
وجود البيان وجهله به حالة عدمه . فلو امتنع تأخير البيان لكان لما قارنه
من جهل المكلف بالمراد ولو كان كذلك لامتنع تأخير بيان النسخ لما فيه من
الجهل بمراد الكلام الدال بوضعه على تكرر الفعل على الدوام واللازم ممتنع
فالملزوم ممتنع.
>[١]. ٥ المائدة ٣٨ [٢]. ٩ التوبة ٤١ [٣]. ٩ التوبة ٩١