الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣١٦
قولهم لم قلتم بامتناع الحكم لوجود العلة قلنا لما ذكرناه من
الوجهين وما ذكروه على الوجه الأول فإنما يصح أن لو كان ما ذكروه من العلة
موجبا للحكم في غير محل النص ويجب اعتقاد انتفاء الحكم لانتفاء العلة حذرا
من التعارض فإنه على خلاف الأصل. والجواب عما ذكروه على الوجه الثاني من
الإشكال الأول أنا إنما قضينا فيما ذكروه بالتعميم نظرا إلى قرينة حال
الآباء مع الأبناء وأنهم لا يفرقون في حقهم بين سم وسم وغذاء نافع وما في
معناه من الأغذية النافعة وهذا بخلاف ما إذا حرم الله شيئا أو أوجبه فإن
العادة الشرعية مطردة بإباحة مثل ما حرم وتحريم مثل ما أوجب حتى أنه يوجب
الصوم في نهار رمضان ويحرمه في يوم العيد ويبيح شرب الخمر في زمان ويحرمه
في زمان ويوجب الغسل من بول الصبية والرش من بول الغلام ويوجب الغسل من
المني دون البول والمذي مع اتحاد مخرجهما ويوجب الحائض قضاء الصوم دون
الصلاة ويبيح النظر إلى وجه الرقيقة الحسناء دون الحرة العجوز الشوهاء إلى
غير ذلك مما ذكرناه فيما تقدم من التفرقة بين المتماثلات وعلى عكسه الجمع
بين المختلفات وذلك لما علمه الله تعالى من اختصاص أحد المثلين بمصلحة
مقارنة لزمانه لا وجود لها في مثله إذ ليست المصالح والمفاسد من الأمور
التابعة لذوات الأوصاف وطباعها حتى تكون لازمة لها بل ذلك مختلف باختلاف
الأوقات. هذا كله إن قلنا بوجوب رعاية المصالح وإلا فلله أن يفعل ما يشاء
ويحكم ما يريد.
وعن الإشكال الثاني أن النظر في التعليل إلى مناسبة القدر المشترك
وإلغاء ما به الافتراق من الخصوصية إما أن يكون دالا على وجوب الاشتراك بين
الأصل والفرع أو لا يكون موجبا له فإن كان موجبا فهو دليل التعبد بالقياس
والتنصيص على العلة دونه لا يكون كافيا في تعدية الحكم وهو المطلوب وإن لم
يكن موجبا للتعدية فلا أثر لإيراده.
وعن الإشكال الثالث بأن فائدة التنصيص على العلة أن تعلم حتى يكون
الحكم معقول المعنى إن كان الوصف مناسبا للحكم فإنه يكون أسرع في الانقياد
وأدعى إلى القبول وأن ينتفي الحكم في محل التنصيص عند انتفائها ولمثل هذه
الفائدة يكون التنصيص على الوصف وإن لم يكن مناسبا للحكم.
وعن الإشكال الرابع ما ذكرناه في حل الإشكال الأول.