الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٨٢
وما ذكرتموه في امتناع التعليل بالحكمة الخفية أما الوجه الأول
فالبحث عن الحكمة الخفية وإن كان فيه نوع حرج ومشقة غير أنه لا بد منه عند
التعليل بالوصف الظاهر المشتمل عليها ضرورة أنها علة لكون الوصف علة ولولا
اشتمال الوصف عليها لما كان علة للحكم وإذا لم يكن بد من معرفتها في جعل
الوصف علة للحكم وقد جعلت علة للعلة أمكن أن تجعل علة للحكم من غير حاجة
إلى ضابطها .وحيث لم تقض بالترخص في حق الحمال في الحضر دفعا للمشقة عنه
فغايته امتناع تعليل الرخصة بمطلق المشقة بل بالمشقة الخاصة بالسفر ولا
يلزم من ذلك امتناع التعليل بالحكمة مطلقا.
وأما الوجه الثاني فغاية ما فيه جواز التعليل بالضابط المشتمل على
الحكمة .وليس فيه ما يدل على امتناع التعليل بالحكمة .قولكم إنه لا حاجة
إليه لا نسلم ذلك فإن الاطلاع عليه أسهل من الاطلاع على الحكمة.
وأما الوجه الثالث فهو أن الحرج اللازم عن البحث عن الحكمة الخفية
وإن كان شاقا غير أنه لا يزيد على البحث عنها عند التعليل بضابطها بل
المشقة في تعرفها مع تعرف ضابطها أشق من تعرفها دون ضابطها .وقد أجمعنا على
مخالفة النص المذكور عند التعليل بالضابط وكانت مخالفته عند التعليل
بالحكمة لا غير أقل مشقة وحرجا فكان أولى بالمخالفة.
والجواب عن الاعتراض الأول أن الكلام إنما هو مفروض فيما إذا كانت
الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها في بعض الصور لا فيما لم يكن قولهم إن الاطلاع
عليها والبحث عنها أشق من البحث عن الضابط ليس كذلك .فإنها إذا كانت ظاهرة
منضبطة كالوصف فلا تفاوت.
وعن الاعتراض الأول على الوجه الثاني أن البحث عن الحكمة عند تجردها
عن الضابط لإ؛كك:: بد فيه من معرفة كميتها وخصوصيتها حتى نأمن من
الاختلاف بين الأصل والفرع فيها وذلك غير ممكن في الحكمة الخفية المضطربة
ولا يكفي فيه مجرد معرفة احتمالها بخلاف ما إذا كانت مضبوطة بضابط فإنا
نكتفي بمعرفة الضابط ومعرفة أصل احتمال الحكمة لا غير . ويدل على ذلك ما
ذكرناه من الاستشهاد وما ذكروه عليه فهو اعتراف بامتناع التعليل بمجرد
الحكمة وهو المطلوب.
وعن الاعتراض على الوجه الثاني أنه لو أمكن التعليل بالحكمة لما احتيج إلى التعليل