الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٩٩
وإن كان الثاني فمنه ما هو ضعيف جدا ومنه ما هو قوي جدا ومنه ما
هو متوسط بين الرتبتين . والترجيح إذ ذاك يكون على حسب ما يقع في نفس
المجتهد من قوة الدلالة وضعفها وذلك مما لا ينضبط ولا حاصر له بحيث تمكن
الإشارة إليه في هذا الكتاب وإنما هو موكول إلى الناظرين في آحاد الصور
التي لا حصر لها.
وأما إن كان المنقول عاما فقد قيل بتقدم القياس عليه وقيل بتقدم
العموم وقيل بالتوقف وقيل يتقدم على جلي القياس دون خفيه وقيل يتقدم القياس
على ما دخله التخصيص دون ما لم يدخله.
والمختار إنما هو تقديم القياس وسواء كان جليا أو خفيا لأنه يلزم من
العمل بعموم العام إبطال دلالة القياس مطلقا ولا يلزم من العمل بالقياس
إبطال العام مطلقا بل غاية ما يلزم منه تخصيصه وتأويله. ولا يخفى أن الجمع
بين الدليلين على وجه يلزم منه تأويل أحدهما أولى من العمل بأحدهما وإبطال
الآخر ولأن القياس يتناول المتنازع فيه بخصوصه والمنقول يتناوله بعمومه
والخاص أقوى من العام.
فإن قيل إلا أن العموم أصل والقياس فرع والأصل مقدم على الفرع وأيضا
فإن تطرق الخلل إلى العموم أقل من تطرقه إلى القياس على ما سبق تقريره
فكان أولى.
قلنا أما الأول فإنما يلزم أن لو كان ما قيل بتقديم القياس عليه هو
أصل ذلك القياس وليس كذلك بل جاز أن يكون فرعا لغيره. فإن قيل وإن لم يكن
فرعا لذلك العام بعينه فهو فرع بالنسبة إلى ما هو من جنسه. قلنا إلا أن ذلك
لا يمنع من تخصيص العموم بالقياس وإلا لما جاز تخصيص عموم الكتاب بخبر
الواحد لكونه فرعا بالنسبة إلى ما هو من جنسه وهو ممتنع على ما سبق.
وما ذكروه من الترجيح الثاني فهو معارض بمثله فإن العام وإن كان
ظاهرا فيحتمل الخصوص واحتمال ذلك في الشرع أغلب من احتمال الغلط من المجتهد
المتبحر على ما لا يخفى . ولهذا قيل إنه ما من عام إلا وهو مخصوص إلا في
قوله تعالى:والله بكل شيء عليم [١]ولا كذلك القياس.
>[١]. البقره ٢٨٢