الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٩٩
الأول وهو اختيار أبي الحسين البصري أن تخصيص العلة مما يمنع من
كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع سواء ظن بها أنها جهة للمصلحة أو
لم يكن ظن بها ذلك وبيان ذلك أنا إذا علمنا أن علة تحريم بيع الذهب بالذهب
متفاضلا هي كونه موزونا ثم علمنا إباحة بيع الرصاص بالرصاص متفاضلا مع أنه
موزون لم يخل إما أن يعلم ذلك بعلة أخرى تقتضي إباحته أو بنص فإن علمنا
إباحته بعلة أخرى يقايس بها الرصاص على أصل مباح لكونه أبيض مثلا فإنا عند
ذلك لا نعلم تحريم بيع الحديد بالحديد متفاضلا إلا بكونه موزونا غير أبيض
فإنا لو شككنا في كونه أبيض لم نعلم قبح بيعه متفاضلا كما لو شككنا في كونه
موزونا فبان أنا لا نعلم بعد التخصيص تحريم شيء لكونه موزونا فقط فبطل أن
يكون الموزون وحده علة بل الموزون مع كونه غير أبيض . وعلى هذا يكون
الكلام فيما إذا دل على إباحة بيع الرصاص نص وسواء علمت علة الإباحة أو لم
تعلم.
الثاني قال بعض أصحابنا اقتضاء العلة للحكم إما أن يعتبر فيه انتفاء
المعارض أو لا يعتبر فإن اعتبر لم تكن العلة علة الا عند انتفاء المعارض
وذلك يقتضي أن الحاصل قبل انتفاء المعارض ليس هو تمام العلة بل بعضها . وإن
لم يعتبر فسواء حصل المعارض أو لم يحصل يكون الحكم حاصلا وذلك يقدح في كون
المعارض معارضا.
الثالث أنه لا بد وأن يكون بين كون المقتضي مقتضيا اقتضاء حقيقيا
بالفعل وبين كون المانع مانعا حقيقيا بالفعل منافاة بالذات وشرط طريان أحد
المتنافيين بالذات انتفاء الأول وليس انتفاء الأول لطريان اللاحق وإلا لزم
الدور وحيث كان شرط كون المانع مانعا خروج المقتضي عن كونه مقتضيا بالفعل
لم يجز أن يكون خروجه عن كونه مقتضيا بالفعل لأجل تحقق والا لزم الدور فاذا
المقتضي إنما خرج عن كونه مقتضيا لا بالمانع بل بذاته وقد انعقد الإجماع
على أن ما يكون كذلك لا يصلح للعلية.
الرابع أن الوصف وإن وجد مع الحكم في الأصل فقد وجد مع الحكم في
صورة النقض مع عدم الحكم .ووجوده مع الحكم لا يقتضي القطع بكونه علة لذلك
الحكم ووجوده مع عدم الحكم في صورة النقض يقتضي القطع بأنه ليس بعلة لذلك
الحكم في تلك الصورة .والوصف الحاصل في الفرع كما إنه مثل الوصف الحاصل في
الأصل فهو