الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٤٩
والجواب عن المعارضة الأولى بمنع النهي عن النظر وأما الآية فالمراد بهما إنما هو الجدال بالباطل على ما قال تعالى:وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق [١] دون الجدال بالحق ودليله قوله تعالى:وجادلهم بالتي هي أحسن [٢] وقوله تعالى : ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ) ولو كان الجدال بالحق منهيا عنه لما كان مأمورا به ثم كيف يكون النظر منهيا عنه وقد أثنى الله تعالى على الناظرين بقوله تعالى:ويتفكرون في خلق السماوات والأرض
[٣] أورد ذلك في معرض الثناء والمدح والمنهي عنه لا يكون ممدوحا عليه. وبه
يخرج الجواب عن نهيه عن النظر في القدر. وقوله عليه السلام عليكم بدين
العجائز لم يثبت ولم يصح. وإن صح فيجب حمله على التفويض إلى الله تعالى
فيما قضاه وأمضاه جمعا بينه وبين ما ذكرناه من الأدلة.
قولهم ( لم ينقل عن أحد من الصحابة النظر في ذلك ) يلزم منه نسبة
الصحابة إلى الجهل بمعرفة الله تعالى مع كون الواحد منا عالما بذلك وهو
محال. وإذا كانوا عالمين بذلك فليس العلم بذلك من الضروريات فتعين إسناده
إلى النظر والدليل وإنما لم تنقل عنهم المناظرة في ذلك لصفاء أذهانهم وصحة
عقائدهم وعدم من يحوجهم إلى ذلك. وحيث نقل عنهم ذلك في مسائل الفروع
فلكونها اجتهادية والظنون فيها متفاوتة بخلاف المسائل القطعية.
قولهم إن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لم ينكروا على العامة
ترك النظر. قلنا إنما لم ينكروا ذلك لأن المعرفة الواجبة كانت حاصلة لهم
وهي المعرفة بالدليل من جهة الجملة لا من جهة التفصيل.
قولهم ( إن وجوب النظر يلزم منه وجوب الجهل بالله تعالى ) إنما يلزم ذلك أن لو كان الجهل مقدورا للعبد وهو غير مسلم.
قولهم ( يلزم منه الدور ) لا نسلم ذلك فإن الواجب الشرعي عندنا غير متوقف على النظر كما سبق في مسألة شكر المنعم.
>[١]. غافر ٥ [٢]. النحل ١٢٥ [٣]. آل عمران ١٩١