الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٠
أما الإجماع فهو أن أئمة الفقه مجمعة على أن أحكام الله تعالى لا
تخلو عن حكمة ومقصود وإن اختلفوا في كون ذلك بطريق الوجوب كما قالت
المعتزلة أو بحكم الاتفاق والوقوع من غير وجوب كقول أصحابنا وأما المعقول
فهو أن الله تعالى حكيم في صنعه فرعاية الغرض في صنعه إما أن يكون واجبا أو
لا يكون واجبا فإن كان واجبا فلم يخل عن المقصود وإن لم يكن واجبا ففعله
للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود فكان المقصود
لازما من فعله ظنا . وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالأحكام من صنعه
فكانت لغرض ومقصود .والغرض إما أن يكون عائدا إلى الله تعالى أو إلى العباد
. ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر والانتفاع ولأنه على خلاف الإجماع
فلم يبق سوى الثاني . وأيضا فإن الأحكام مما جاء بها الرسول فكانت رحمة
للعالمين لقوله تعالى:وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [١] .فلو خلت الأحكام عن حكمة عائدة إلى العالمين ما كانت رحمة بل نقمة لكون التكليف بها محض تعب ونصب .وأيضا قوله تعالى:ورحمتي وسعت كل شيء
[٢] فلو كان شرع الأحكام في حق العباد لا لحكمة لكانت نقمة لا رحمة لما
سبق وأيضا قوله عليه السلام لا ضرر ولا ضرار في الإسلام . فلو كان التكليف
بالأحكام لا لحكمة عائدة إلى العباد لكان شرعها ضررا محضا وكان ذلك بسبب
الإسلام وهو خلاف النص.
وإذا ثبت أن الأحكام إنما شرعت لمصالح العباد فإذا رأينا حكما
مشروعا مستلزما لأمر مصلحي فلا يخلو إما أن يكون ذلك هو الغرض من شرع الحكم
أو ما لم يظهر لنا لا يمكن أن يكون الغرض ما لم يظهر لنا وإلا كان شرع
الحكم تعبدا وهو خلاف الأصل لما سبق تقريره . فلم يبق إلا أن يكون مشروعا
لما ظهر وإذا كان ذلك مظنونا فيجب العمل به لأن الظن واجب الاتباع في الشرع
ويدل على ذلك إجماع الصحابة على العمل بالظن ووجوب اتباعه في الأحكام
الشرعية . فمن ذلك ما اشتهر عنهم
>[١]. الأنبياء ١٠٧ [٢]. الأعراف ١٥٦