الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٥٤
أو دفع ضرر والرب تعالى منزه عن ذلك.
السابع عشر أن الحكمة إنما تطلب في فعل من لو خلا فعله عن الحكمة
لحقه الذم وكان عابثا والرب يتعالى عن ذلك لكونه متصرفا في ملكه بحسب ما
يشاء ويختار من غير سؤال عما يفعل على ما قال تعالى:لا يسأل عما يفعل وهم يسألون [١] وإن لم يكن فعله مستلزما للحكمة فهو المطلوب.
سلمنا استلزام شرع الحكم للحكمة ولكن لا يلزم أن يكون ما ظهر من
المناسب علة ولو كان يدل المناسب على كونه علة لكانت أجزاء العلة المناسبة
عللا بل غايته أن تكون جزء علة . ولا يلزم من وجود جزء العلة في الفرع وجود
الحكم .
سلمنا غلبة الظن بكون ما ظهر من المناسب علة ولكن لا نسلم وجوب
العمل بالظن مطلقا لما سنبينه في مسألة كون القياس حجة وما ذكرتموه من
الدلائل فسيأتي الكلام عليها أيضا في مسألة كون القياس حجة.
والجواب عما ذكروه من المنع ما سبق تقريره وعن الشبهة الأولى من ثلاثة أوجه.
الأول أن القدرة إنما تتعلق بالحدوث والوجود لا غير والكفر وأنواع
المعاصي والشرور راجعة إلى مخالفة نهي الشارع وليس ذلك من متعلق القدرة في
شيء.
الثاني وإن سلمنا أن جميع ذلك مخلوق لله تعالى فنحن لا ندعي ملازمة
الحكمة لأفعاله مطلقا حتى يطرد ذلك في كل مخلوق بل إنما ندعي ذلك فيما يمكن
مراعاة الحكمة فيه وذلك ممكن فيما عدا أنواع الشرور والمعاصي ولا ندعي ذلك
قطعا بل ظاهرا.
الثالث وإن سلمنا لزوم الحكمة لأفعاله مطلقا ولكن لا نسلم امتناع
ذلك فيما ذكروه من الصور قطعا لجواز أن يكون لازمها حكم لا يعلمها سوى الرب
تعالى.
وبهذين الجوابين الأخيرين يكون جواب الشبهة الثانية.
وعن الثالثة أن وجود الفعل وإن قدر تحقق الحكمة غير واجب بل هو تبع
لتعلق القدرة والإرادة به ومع ذلك فالباري لا يكون مضطرا بل مختارا.
وعن الرابعة أن المقصود حادث ولكن لا يفتقر إلى مقصود آخر فإنا إنما ندعي ذلك
>[١]. الأنبياء ٢٣