الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٨٥
الآخر فما اتفق على العمل به وإن كان قد يغلب على الظن زيادة اعتباره إلا
أن العمل بما لم يعمل به في صورة متفق عليها أولى إذ العمل به مما لا يفضي
إلى تعطيل الآخر لكونه قد عمل به في الجملة والعمل بما عمل به يفضي إلى
تعطيل ما لم يعمل به وما يفضي إلى التأويل أولى مما يفضي إلى التعطيل. وما
عمل به في الصورة المتفق عليها وإن لزم أن يكون فيها راجحا على العام
المقابل إلا أنه يحتمل أن يكون الترجيح له لأمر خارج لا وجود له في محل
النزاع وهو وإن كان المرجح الخارج بعيد الوجود لكن يجب اعتقاد وجوده نفيا
لإهمال العام الآخر. فإن قيل لو كان له مرجح من خارج لوقفنا عليه بعد البحث
التام وقد بحثنا فلم نجد شيئا من ذلك واحتمال مخالفة السبر أيضا بعيد فهو
معارض بمثله فإنه لو كان رجحانه لمعنى يعود إلى نفسه لوقفنا عليه بعد البحث
وقد بحثنا فلم نجده. وعند ذلك فيتقاوم الكلامان وقد يسلم لنا ما ذكرناه
أولا.
العاشر أن يكون أحدهما قد قصد به بيان الحكم المختلف فيه بخلاف
الآخر فالذي قصد به البيان للحكم يكون أولى لأنه يكون أمس بالمقصود وذلك
كما في قوله تعالى:وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف [١] فإنه قصد به بيان تحريم الجمع بين الأختين في الوطء بملك اليمين فإنه مقدم على قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم [٢] حيث لم يقصد به بيان الجمع.
الحادي عشر أن يكون أحدهما أقرب إلى الاحتياط وبراءة الذمة بخلاف
الآخر فالأقرب إلى الاحتياط يكون مقدما لكونه أقرب إلى تحصيل المصلحة ودفع
المضرة.
الثاني عشر أن يكون أحدهما يستلزم نقص الصحابي كحديث القهقهة في
الصلاة بخلاف الآخر فالذي لا يستلزم ذلك أولى لكونه أقرب إلى الظاهر
الموافق لحال الصحابي ووصف الله له بالعدالة على ما قال تعالى:وكذلك جعلناكم أمة وسطا[٣] أي عدولا.
الثالث عشر أن يقترن بأحد الخبرين تفسير الراوي بفعله أو قوله فإنه يكون
>[١]. النساء ٢٣ [٢]. النساء ٣ [٣]. البقرة ١٤٣