الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٦١
النبي عليه السلام. وكانوا لا يعدلون إلى الآراء والأقيسة إلا بعد البحث
عن النصوص واليأس منها ومن فتش عن أحوالهم ونظر في وقائع اجتهاداتهم علم
علما لا يشوبه ريب أنهم كانوا يوجبون العمل بالراجح من الظنين دون أضعفهما .
ويدل على ذلك أيضا تقرير النبي عليه السلام لمعاذ حين بعثه إلى اليمن
قاضيا على ترتيب الأدلة وتقديم بعضها على بعض كما سبق تقريره غير مرة.
ولأنه إذا كان أحد الدليلين راجحا فالعقلاء يوجبون بعقولهم العمل بالراحج .
والأصل تنزيل التصرفات الشرعية منزلة التصرفات العرفية. ولهذا قال عليه
السلام ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن.
فإن قيل ما ذكرتموه معارض بالنص والمعقول. أما النص فقوله تعالى : فاعتبروا يا أولي الأبصار [١] أمر بالاعتبار مطلقا من غير تفصيل. وأيضا قوله عليه السلام نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والدليل المرجوح ظاهر فجاز العمل به.
وأما المعقول فهو أن الأمارات الظنية المتعارضة لا تزيد على البينات
المتعارضة والترجيح غير معتبر في البينات حتى إنه لا تقدم شهادة الأربعة
على شهادة الاثنين.
قلنا أما الآية فغايتها الأمر بالنظر والاعتبار وليس فيها ما ينافي
القول بوجوب العمل بالترجيح فإن إيجاب أحد الأمرين لا ينافي إيجاب غيره.
وأما الخبر فيدل على جواز العمل بالظاهر والظاهر هو ما ترجح أحد
طرفيه على الآخر ومع وجود الدليل الراجح فالمرجوح المخالف له لا يكون راجحا
من جهة مخالفته للراجح فلا يكون ظاهرا فيه.
وأما المعقول فلا نسلم امتناع الترجيح في باب الشهادة بل عندنا
يقدم قول الأربعة على قول الاثنين على رأي لنا. وإن سلمنا أنه لا اعتبار
بالترجيح في باب الشهادة فإنما كان لأن المتبع في ذلك إنما هو إجماع
الصحابة. وقد ألف منهم اعتبار ذلك في باب
>[١]. الحشر ٢