الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤٤٣
لأنه إن كان صادقا في دعوى الضرورة فالضروري لا يطالب بالدليل عليه. وإن
لم يكن صادقا في دعواه الضرورة فلا يطالب بالدليل عليه أيضا فإنه ما ادعى
حصوله له عن نظر. ويكفي المنع في انقطاعه حيث إنه لا يقدر على تحقيق
الضرورة في ذلك والنظر غير مدعى له وإن ادعى العلم بنفيه لا بطريق الضرورة
فلا يخلو إما أن لا يكون قد حصل له بطريق مفض إليه أو يكون بطريق مفض إليه
لا جائز أن يقال بالأول لأن حصول علم غير ضروري من غير طريق يفضي إليه محال
. وإن كان الثاني فلا بد عند الدعوى والمطالبة بدليلها من ذكره وكشفه
لينظر فيه. وإلا كان قد كتم علما نافعا مست الحاجة إلى إظهاره ودخل تحت
قوله عليه السلام من كتم علما نافعا فقد تبوأ مقعده من النار ولأنه لا فرق
في ذلك في دعوى الإثبات والنفي وقد وجب على مدعي الإثبات ذكر الدليل فكذلك
في دعوى النفي كيف وإن الإجماع منعقد على أن من ادعى الوحدانية لله تعالى
وقدمه أنه يجب عليه إقامة الدليل وإن كان حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك
وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والأولية. ولهذا نبه الله تعالى على نفي آلهة
غير الله على الدليل في قوله تعالى:لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا الآية.
فإن قيل فماذا تقولون فيما إذا ادعى رجل أنه نبي ولم تقم على
دعواه بينة هل يلزم المكرين لنبوته إقامة الدليل على أنه ليس بنبي أو لا
يلزم وكذلك من أنكر وجوب صلاة سادسة أو صوم شوال أو المدعى عليه بحق إذا
أنكر ما ادعي عليه به هل يلزمه إقامة الدليل على ما نفاه أو لا إن قلتم
بالأول فهو خلاف الإجماع وإن قلتم بالثاني مع كونه نافيا في قضية غير
ضرورية فقد سلمتم محل النزاع.
قلنا النفي في جميع هذه الصور لم يخل عن دليل يدل على النفي. غير
أنه قد يكتفي بظهوره عن ذكره وهو البقاء على النفي الأصلي واستصحاب الحال
مع عدم القاطع له وهو ما يدل على النبوة وما يدل على وجوب صلاة سادسة وعلى
وجوب صوم شوال وشغل الذمة.