الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٤١٠
ما ذهب إليه الجاحظ وهو أبعد عن الأول في القبح. ولا شك أنه غير محال عقلا وإنما النزاع في إحالة ذلك وجوازه شرعا.
وقد احتج الجمهور على مذهبهم بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى:ذلك ظن الذين كفروإ؛ٌٌ :: فويل للذين كفروا من النار [١] وقوله: وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم[٢] وقوله تعالى : ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون[٣].
ووجه الاحتجاج بهذه الآيات أنه ذمهم على معتقدهم وتوعدهم بالعقاب عليه ولو كانوا معذورين فيه لما كان كذلك.
وأما السنة فما علم منه عليه السلام علما لا مراء فيه تكليفه للكفار
من اليهود والنصاري بتصديقه واعتقاد رسالته وذمهم على معتقداتهم وقتله لمن
ظفر بهم وتعذيبه على ذلك منهم مع العلم الضروري بأن كل من قاتله وقتله لم
يكن معاندا بعد ظهور الحق له بدليله فان ذلك مما تحيله العادة. ولو كانوا
معذورين في اعتقاداتهم وقد أتوا بما كلفوا به لما ساغ ذلك منه.
وأما الإجماع فهو أن الأمة من السلف قبل ظهور المخالفين اتفقوا أيضا
على قتال الكفار وذمهم ومهاجرتهم على اعتقاداتهم ولو كانوا معذورين في ذلك
لما ساغ ذلك من الأمة المعصومة عن الخطإ.
فإن قيل أما الآية الأولى فغاية ما فيها ذم الكفار وذلك غير متحقق
في محل النزاع لأن الكفر في اللغة مأخوذ من الستر والتغطية ومنه يقال لليل
كافر لأنه ساتر للحوادث وللحارث كافر لسترة الحب وذلك غير متصور إلا في حق
المعاند العارف بالدليل مع إنكاره لمقتضاه كيف وإنه يجب حمل هذه الآية
والآيتين بعدها على المعاند دون غيره جمعا بينه وبين ما سنذكره من الدليل.
>[١]. ص ٢٧ [٢]. فصلت ٢٣ [٣]. المجادلة ١٨