الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٩٨
وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما
يتعلق بتلك المسألة وما لا بد منه فيها ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق
له بها مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية كما أن المجتهد المطلق قد يكون
مجتهدا في المسائل المتكثرة بالغا رتبة الاجتهاد فيها وإن كان جاهلا ببعض
المسائل الخارجة عنها فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام
المسائل ومداركها. فإن ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر. ولهذا نقل عن مالك
أنه سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها لا أدري.
وأما ما فيه الاجتهاد فما كان من الأحكام الشرعية دليله ظني. فقولنا
( من الأحكام الشرعية ) تمييز له عما كان من القضايا العقلية واللغوية
وغيرها . وقولنا ( دليله ظني ) تمييز له عما كان دليله منها قطعيا
كالعبادات الخمس ونحوها فإنها ليست محلا للاجتهاد فيها لأن المخطىء فيها
يعد آثما والمسائل الاجتهادية ما لا يعد المخطىء فيها باجتهاده آثما.
هذا ما أردناه من بيان المقدمة. وأما المسائل فاثنتا عشرة مسألة.
المسألة الاولى اختلفوا في أن النبي عليه السلام هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما لا نص فيه
فقال أحمد بن حنبل والقاضي أبو يوسف إنه كان متعبدا به وقال أبو
علي الجبائي وابنه أبو هاشم إنه لم يكن متعبدا به. وجوز الشافعي في رسالته
ذلك من غير قطع وبه قال بعض أصحاب الشافعي والقاضي عبد الجبار وأبو الحسين
البصري. ومن الناس من قال إنه كان له الاجتهاد في أمور الحروب دون الأحكام
الشرعية.
والمختار جواز ذلك عقلا ووقوعه سمعا.
أما الجواز العقلي فلأنا لو فرضنا أن الله تعالى تعبده بذلك وقال له
حكمي عليك أن تجتهد وتقيس لم يلزم عنه لذاته محال عقلا ولا معنى للجواز
العقلي سوى ذلك.