الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٨٢
اليهود وهو ثقة مأمون كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار وغيرهما ولم ينقل عن
النبي عليه السلام ولا عن أحد من الأمة السؤال لهم عن ذلك.
وما ذكروه على الحجة الثالثة فترك للظاهر المشهور المتبادر إلى الفهم من غير دليل فلا يسمع.
وما ذكروه على الحجة الرابعة فمندفع وذلك لأن إطلاق الأمة أن شرع
النبي عليه السلام ناسخ للشرائع السالفة بينهم يفهم منه أمران أحدهما رفع
أحكامها والثاني أنه غير متعبد بها. فما لم يثبت رفعه من تلك الأحكام بشرعه
ضرورة استمراره فلا يكون ناسخا له فيبقى المفهوم الآخر وهو عدم تعبده به.
ولا يلزم من مخالفة دلالة الدليل على أحد مدلوليه مخالفته بالنظر إلى
المدلول الآخر.
والجواب عن المعارضة بالآية الأولى أنه إنما أمره باتباع هدى مضاف
إلى جميعهم مشترك بينهم دون ما وقع به الخلاف فيما بينهم والناسخ والمنسوخ
منه لاستحالة اتباعه وامتثاله والهدى المشترك فيما بينهم إنما هو التوحيد
والأدلة العقلية الهادية إليه وليس ذلك من شرعهم في شيء. ولهذا قال
فبهداهم اقتده ولم يقل بهم وبتقدير أن يكون المراد من الهدي المشترك ما
اتفقوا فيه من الشرائع دون ما اختلفوا فيه فاتباعه له إنما كان بوحي إليه
وأمر مجدد لا أنه بطريق الاقتداء بهم.
وعن قوله تعالى:إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح
[١] أنه لا دلالة له على أنه موحى إليه بعين ما أوحي به إلى نوح والنبيين
من بعده حتى يقال باتباعه لشريعتهم بل غايته أنه أوحى إليه كما أوحى إلى
غيره من النبيين قطعا لاستبعاد ذلك وإنكاره. وبتقدير أن يكون المراد به أنه
أوحى إليه بما أوحى به إلى غيره من النبيين فغايته أنه أوحى إليه بمثل
شريعة من قبله بوحي مبتدإ لا بطريق الاتباع لغيره.
وعن قوله تعالى: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا [٢] أن المراد من الدين إنما هو أصل التوحيد لا ما اندرس من شريعته. ولهذا لم ينقل عن النبي عليه السلام
>[١]. النساء ١٦٣ [٢]. الشورى ١٣