الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٣٧٢
به تصرفات العقلاء وأهل العرف من ركوب البحار ومعاناة المشاق من الأسفار
فإنهم لا يرتكبون ذلك إلا مع ظهور المصلحة لهم في ذلك ومن فعل ذلك لا مع
ظهور المصلحة في نظره عد سفيها مخبطا في عقله وما وقع به الاستشهاد من
تنفيذ الودائع وإرسال الرسل إلى من بعدت مدة غيبته والشهادة بالدين على من
تقدم إفراره من هذا القبيل فكان الاستصحاب فيه ظاهرا.
وعما ذكروه على الوجه الثالث أولا فجوابه بزيادة افتقار التغير إلى تجدد علة موجبة للتغير بخلاف البقاء لإمكان اتحاد علة المتجددات.
وما ذكروه ثانيا فجوابه من وجهين.
الأول أن الشيء إذا كان موقوفا على شيء واحد والآخر على شيئين فما
يتوقف على شيء واحد لا يتحقق عدمه إلا بتقدير عدم ذلك الشيء وما يتوقف
تحققه على أمرين يتم عدمه بعدم كل واحد من ذينك الأمرين. ولايخفى أن ما يقع
عدمه على تقديرين يكون عدمه أغلب من عدم ما لا يتحقق عدمه إلا بتقدير
واحد. وما كان عدمه أغلب كان تحققه أندر وبالعكس مقابله.
فإن قيل عدم الواحد المعين إما أن يكون مساويا في الوقوع لعدم
الواحد من الشيئين أو غالبا أو مغلوبا ولا تتحقق غلبة الظن فيما ذكرتموه
بتقدير غلبة الواحد المعين ومساواته وإنما يتحقق ذلك بتقدير كونه مغلوبا.
ولا يخفى أن وقوع أحد أمرين لا بعينه أغلب من وقوع الواحد المعين كما
ذكرتموه.
قلنا إذا نسبنا أحد الشيئين لا بعينه إلى ذلك الواحد المعين فإما أن
يكون عدمه أغلب من ذلك المعين أو مساويا له أو مغلوبا فإن كان الأول لزم
ما ذكرناه وإن كان الثاني فكذلك أيضا لترجحه بضم عدم الوصف الآخر إليه وإن
كان مغلوبا فنسبة الوصف الآخر إليه لا تخلو من الأقسام الثلاثة ويترجح ما
ذكرناه بتقديرين آخرين منها وإنما لا يترجح ما ذكرناه بتقدير أن يكون كل
واحد من الوصفين مرجوحا فإذا ما ذكرناه يتم على تقديرات أربعة ولا يتم على
تقدير واحد وفيه دقة فليتأمل.
الوجه الثاني أن العاقل إذا عن له مقصودان متساويان وكانت المقدمات
الموصلة إلى أحدهما أكثر من مقدمات الآخر فإنه يبادر إلى مقدماته أقل ولولا
أن ذلك