الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٩١
أما الكتاب فقوله تعالى:فاعتبروا يا أولي الأبصار
[١] أمر بالاعتبار والاعتبار هو الانتقال من الشيء إلى غيره وذلك متحقق
في القياس حيث إن فيه نقل الحكم من الأصل إلى الفرع .ولهذا قال ابن عباس في
الأسنان اعتبر حكمها بالأصابع في أن ديتها متساوية أطلق الاعتبار وأراد به
نقل حكم الأصابع إلى الأسنان والأصل في الإطلاق الحقيقة وإذا ثبت أن
القياس مأمور به فالأمر إما أن يكون للوجوب أو للندب على ما سبق في الأوامر
. وعلى كلا التقديرين فالعمل بالقياس يكون مشروعا.
فإن قيل لا نسلم أنه أمر بالاعتبار وصيغة افعلوا مترددة بين الأمر
وغيره كما سبق في الأوامر وليس جعلها ظاهرة في البعض أولى من البعض سلمنا
أنها للأمر ولكن لا نسلم أن الاعتبار ما ذكرتموه بل هو عبارة عن الاتعاظ
ويدل عليه أمران الأول قوله تعالى:إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار [٢] وقوله:وإن لكم في الأنعام لعبرة
النحل ٦٦ والمراد به الاتعاظ إذ هو المتبادر إلى الفهم من إطلاق هذا اللفظ
. الثاني أن القائس في الفروع إذا أقدم على المعاصي ولم يتفكر في أمر
آخرته يقال إنه غير معتبر ولو كان القياس هو الاعتبار لما صح سلب ذلك عنه
.سلمنا أن الاعتبار ظاهر في القياس لكنه قد وجد في الآية ما يمنع من الحمل
عليه ويصرفه إلى الاعتبار بمعنى الاتعاظ وذلك قوله تعالى :يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين
[٣] ولو كان الاعتبار بمعنى القياس لما حسن ترتيبه على ذلك وإنما يحسن ذلك
عند إرادة الاتعاظ .سلمنا أن المراد به القياس غير أنه ليس في الآية صيغة
عموم تقتضي العمل بكل قياس فكانت الآية مطلقة والمطلق إذا عمل به في صورة
أو صور لا يبقى حجة فيما عداها ضرورة الوفاء بالعمل بدلالته وقد عملنا بذلك
في القياس العقلي والقياس الذي علته منصوصة أو مومى إليها وبقياس الفروع
على الأصول في امتناع إثباتها بالقياس .سلمنا العموم لكنه قد خص بما كلفنا
فيه باليقين وبما كان منصوصا عليه وبما لم نعلم له أصلا ولا وصفا جامعا فإن
القياس غير مأمور به في ذلك كله .وكذلك إذا قال لوكيله أعتق غانما لسواده
فإنه لا يجوز تعدية ذلك إلى سالم وإن كان مسودا .والعام بعد التخصيص لا
يبقى حجة وإن بقي حجة ففي أقل ما يتناوله الاسم العام
>[١]. الحشر ٢ [٢]. آل عمران ١٣ [٣]. الحشر ٢