الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٧٣
الأول هو أن العاقل إذا صح نظره واستدلاله أدرك بالأمارات
الحاضرة المدلولات الغائبة وذلك كمن رأى جدارا مائلا منشقا فإنه يحكم
بهبوطه أو رأى غيما رطبا وهواء باردا حكم بنزول المطر أو رأى إنسانا خارجا
من بيت فيه قتيل وبيده سكين مخضبة بالدم حكم بكونه قاتلا فإذا رأى الشارع
قد أثبت حكما في صورة من الصور ورأى ثم معنى يصلح أن يكون داعيا إلى إثبات
ذلك الحكم ولم يظهر له ما يبطله بعد البحث التام والسبر الكامل فإنه يغلب
على ظنه أن الحكم ثبت له وإذا وجد ذلك الوصف في صورة أخرى غير الصورة
المنصوص عليها ولم يظهر له أيضا ما يعارضه فإنه يغلب على ظنه ثبوت الحكم به
في حقنا وقد علمنا أن مخالفة حكم الله تعالى سبب للعقاب فالعقل يرجح فعل
ما ظن فيه المصلحة ودفع المضرة على تركه ولا معنى للجواز العقلي سوى ذلك.
الثاني أن التعبد بالقياس فيه مصلحة لا تحصل دونه وهي ثواب المجتهد
على اجتهاده وإعمال فكره وبحثه في استخراج علة الحكم المنصوص عليه لتعديته
إلى محل آخر على ما قال عليه السلام ثوابك على قدر نصبك وما كان طريقا إلى
تحصيل مصلحة المكلف فالعقل لا يحيله بل يجوزه.
فإن قيل ما ذكرتموه من جواز التعبد بالقياس بناء على ظن حصول
المصلحة ودفع المضرة إنمإ؛٥٥ :: يحسن إذا لم يكن الوصول إلى ذلك بطريق
يقيني وأما إذا أمكن فلا وذلك لأنه مهما أمكن الوصول إلى المطلوب بطريق
يؤمن فيه الخطأ فالعقل يمنع من سلوك طريق لا يؤمن فيه الخطأ فما لم تثبتوا
أنه لم يوجد دليل شرعي قاطع يدل على ذلك من كتاب أو سنة أو إجماع أمة
فاتباع الظن يكون ممتنعا عقلا .سلمنا أنه لم يوجد دليل قطعي على ذلك لكن
إنما يسوغ العقل التمسك بالظن إذا لم يوجد دليل ظني راجع على ظن القياس مفض
إلى حكم القياس وإلا كان العمل بما الخطأ فيه أقرب مما ترك وهو ممتنع عقلا
.سلمنا دلالة ما ذكرتموه على تجويز العقل لذلك غير أنه منقوض ومعارض.
أما النقض فبصور منها أن قول الشاهد الواحد بل العبيد والنساء
المتمحضات في الحقوق المالية والدماء والفروج بل الفساق مغلب على ظن القاضي
الصدق ومع