الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٤٣
الثالث أنه إذا اجتمع الأخ من الأبوين مع الأخ من الأب في
الميراث فإنه قد يتعارض في نظر الناظر تقديم الأخ من الأبوين لاختصاصه
بقرابة الأمومة والتسوية بينهما لاشتراكهما في جهة العصوبة وإلغاء قرابة
الأمومة وتفضيل الأخ من الأبوين لاختصاصه بمزيد القرابة . ومع ذلك فالعقل
يقضي بتأدي النظر من غير احتياج إلى ترجيح بأن ورود الشرع بالاحتمال الأول
مناسب غير خارج عن مذاق العقول ولو كان ترجيح الوصف المصلحي معتبرا في
مناسبته لما كان كذلك.
الرابع أن الشرع قد ورد بصحة الصلاة في الدار المغصوبة نظرا إلى ما
فيها من المصلحة وبتحريمها نظرا إلى ما فيها من مفسدة الغصب .فلو اشترط
الترجيح في المناسبة لما ثبت الصحة ولا التحريم بتقدير التساوي بين مصلحة
الصحة ومفسدة التحريم ولا حكم الصحة بتقدير رجحان مفسدة الغصب ولا التحريم
بتقدير رجحان مصلحة الصحة لعدم المناسبة.
وهذه الحجج ضعيفة
أما الحجة الأولى فلقائل أن يقول إن أردت أن مناسبة الوصف تنبني على
أنه لا بد في المناسبة من المصلحة على وجه لا يستقل بالمناسبة فمسلم .
ولكن لا يلزم من وجود بعض ما لا بد منه في المناسبة تحقق المناسبة .وإن
أردت أنها مستقلة بتحقيق المناسبة فممنوع .وذلك لأن المصلحة وإن كانت
متحققة في نفسها فالمناسبة أمر عرفي وأهل العرف لا يعدون المصلحة العارضة
بالمفسدة المساوية أو الراجحة مناسبة . ولهذا إن من حصل مصلحة درهم على وجه
يفوت عليه عشرة يعد سفيها خارجا في تصرفه عن تصرفات العقلاء .ولو كان ذلك
مناسبا لما كان كذلك وعلى هذا فلا يلزم من اجتماع المصلحة والمفسدة تحقق
المناسبة.
وقول القائل إن الداعي موجود فالمراد به المصلحة دون المناسبة.
وقوله غير أنه يمنعني منه مانع .وإن كان صحيحا في العرف فليس ذلك
إلا لإخلال المانع المفسدي بمناسبة المصلحة لا بمعنى أن الانتفاء محال على
المفسدة مع وجود المناسب للحكم.