الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٤٣
وأما الوجه الثاني فلا دلالة فيه لأن السنة إذا كانت ناسخة
فالآتي بما هو خير إنما هو الله تعالى والرسول مبلغ ولا يدل ذلك على أن
الناسخ لا يكون إلا قرآنا بل الإتيان بما هو خير أعم من ذلك.
وأما الوجه الثالث فلا دلالة فيه على لزوم المجانسة بين الآية
المنسوخ حكمها وبين ناسخه لأنه وصفه بكونه خيرا والقرآن لا تفاوت فيه على
ما سبق فعلم أن المفاضلة والمماثلة إنما هي راجعة إلى الحكم المنسوخ والحكم
الناسخ على ما سبق.
وعلى هذا فلا نسلم أنه إذا قال له ما آخذ منك درهما إلا وآتيك بخير
منه أنه يدل على المجانسة فإن ما هو خير أعم من الجنس فكأنه قال آتيك بشيء
هو خير مما أخذت منك والمذكور أولا . وإن كان هو الآية والضمير في قوله
بخير منها وإن كان عائدا إليها فلا يلزم منه المجانسة بين المضمر والمضهر.
وأما الوجه الرابع فنحن قائلون بموجبه فإن المتمكن من إزالة الحكم بما هو خير منه إنما هو الله عز وجل.
الوجه الثاني أن الآية تدل على أنه لا بد في نسخ كل آية من الإتيان
بآية هي خير منها أو مثلها ضرورة الإخبار ولكن ليس في ذلك دلالة على أن
الآية المأتي بها هي الناسخة لإمكان أن يكون بدلا عن الآية الأولى وإن كان
الناسخ غيرها.
الثالث أن ظاهر الآية يتناول نسخ رسم الآية والأصل تنزيل اللفظ على
حقيقته وفي حمله على نسخ الحكم صرفه إلى جهة المجاز وهو خلاف الأصل والنزاع
إنما وقع في نسخ الحكم لا في نسخ الرسم.
وعن المعارضة الأولى من جهة المعقول من ثلاثة أوجه.
الأول أن ذلك إنما يمتنع إن لو كانت السنة رافعة لما هي فرع عليه من
القرآن وليس كذلك بل ما هي فرع عليه غير مرفوع بها وما هو مرفوع بها ليست
فرعا عليه.
الثاني أن ما ذكروه حجة عليهم فإن القرآن قد دل على وجوب الأخذ بما
يأتي به الرسول ووجوب اتباعه فإذا أتى بنسخ حكم الآية ولم يتبع كان على
خلاف ما ذكروه.