الإحكام في اصول الأحکام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٢٦
الأول فهو عبث وقبيح فلا يكون جائزا على الشارع وإن كان لمصلحة فإما أن
تكون أدنى من مصلحة المنسوخ أو مساوية لها أو راجحة عليها فإن كان الأول
فهو أيضا ممتنع لما فيه من إهمال أرجح المصلحتين واعتبار أدناهما وإن كان
الثاني فليس الناسخ أولى من المنسوخ فلم يبق غير الثالث . وإذا كان النسخ
إنما يكون للأصلح والأنفع والأقرب إلى حصول الطاعة وذلك إنما يكون بنقل
المكلفين من الأشد إلى الأخف ومن الأصعب إلى الأسهل لكونه أقرب إلى حصول
الطاعة وأسهل في الانقياد وإذا كان بالعكس كان إضرارا بالمكلفين لأنهم إن
فعلوا التزموا المشقة الزائدة وإن تركوا استضروا بالعقوبة والمؤاخذة وذلك
غير لائق بحكمة الشارع.
وأما من جهة السمع فنصوص
أولها قوله تعالى:يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ولا تخفيف في نسخ الأخف إلى الأثقل.
وثانيها قوله تعالى:يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر [١] وفي نسخ الأخف إلى الأثقل إرادة العسر وفيه تكذيب خبر الصادق.
وثالثها قوله تعالى:ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [٢] والأصر هو الثقل أخبر أنه يضع عنهم الثقل الذي حمله للأمم قبلهم فلو نسخ ذلك بما هو أثقل منه كان تكذيبا لخبره تعالى وهو محال.
ورابعها قوله تعالى:ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها
[٣] وليس المراد منه أنه يأتي بخير من الآية في نفسها إذ القرآن كله خير
لا تفاضل فيه وإنما المراد به ما هو خير بالنسبة إلينا وذلك هو الأخف
والأسهل في الأحكام.
والجواب عن المعقول أن ما ذكروه لازم عليهم في ابتداء التكليف ونقل
الخلق من الإباحة والإطلاق إلى مشقة التكليف وكذلك في نقلهم من الصحة إلى
السقم ومن الشبيبة إلى الهرم ومن الجدة إلى العدم وإعدام القوي والحواس بعد
وجودها فإن ما
>[١]. ٢ البقرة ١٨٥ [٢]. ٧ الأعراف ١٥٧ [٣]. ٢ البقرة ١٠٦