المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٤٠ - تقديم القاعدة على الاستصحاب
عندهم ، وعليه جروا في تقديم الأصل السببي على المسببي ، إلا أن المراد ما يرفعها ثبوتا ، كطهارة الماء الذي يغسل به الثوب بالإضافة إلى نجاسة الثوب ، والقاعدة في المقام لا تقتضي التعبد بالرافع للحالة السابقة بالمعنى المذكور ، بل تقتضي التعبد بنقيض الحالة السابقة ، وهو مضاد للتعبد بنفس الحالة السابقة - الذي هو مفاد الاستصحاب - لا حاكم عليه .
نعم ، لو كان التعبد المذكور مستندا لطريق يؤدي لارتفاع الحالة السابقة إثباتا كان ذلك الطريق حاكما على التعبد الاستصحابي عندهم ، على ما فصل الكلام فيه في وجه حكومة الامارة ، لكن المفروض في محل الكلام عدم أمارية القاعدة .
ثانيهما : ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدس سره من أن أدلة القاعدة لما كانت ناظرة إلى نفي الشك وأنه ليس بشئ صالح للعمل على وفق احتمال بقاء الحالة السابقة ، كانت رافعة لموضوع الاستصحاب ، فتكون حاكمة عليه ، بخلاف دليل الاستصحاب ، فإنه لا يقتضي نفي الشك ، بل التعبد بالمتيقن في ظرفه ، فلا يرفع موضوع القاعدة .
وفيه : أن مفاد أدلة القاعدة ليس هو نفي الشك ، وإلا كانت بلسان الامارة أشبه ، بل عدم الاعتناء به في مقام العمل ، وهو مفاد دليل الاستصحاب أيضا ، غايته أن عدم الاعتناء بالشك مسوق في دليل الاستصحاب لبيان وجوب العمل على طبق الحالة السابقة ، وفي دليل القاعدة لبيان وجوب العمل على خلافها ، فيتنافيان ، ولا يرفع أحدهما موضوع الاخر ، ليحكم عليه .
ومن هنا كان الظاهر انحصار وجه التقديم حينئذ بالتخصيص [١] .
[١] اختلف تقريرا درس بعض مشايخنا ( مصباح الأصول ) و ( مباني الاستنباط ) في مبنى تقديم القاعدة على الاستصحاب ، بعد اتفاقهما في لزومه دفعا للغوية دليلها ، وفي عدم حكومتها ، فقد جرى في الأول على ما ذكرناه من التخصيص ، وانكره في الثاني ، لدعوى إباء أدلة الاستصحاب عنه . وهو كما ترى ! فإن الابي عنه هو عدم نقض اليقين الفعلي بالشك ، لامتناع رفع حجية القطع ، أما عدم رفع اليقين السابق بالشك فهو قابل للتخصيص دون محذور ، بل قد ثبت في كثير من الموارد تخصيصه بالتعبد بارتفاع الحالة السابقة ، كما في البلل الخارج قبل الاستبراء ، أو بالاحتياط ، كما في موارد وجوب الفحص . بل لما اعترف بعدم الحكومة في المقام انحصر وجه التقديم بالتخصيص . ( منه . عفي عنه ) .