المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٧٨ - توجيه التقديم بمقتضى الجمع العرفي
الرابع : ما ذكره بعض مشايخنا من أن الاستصحاب كاشف عن الواقع مثبت له في ظرف الشك فيه ، لان مفاد دليله جعل الطريقية وتتميم جهة الكاشفية ، لظهور قوله عليه السلام : ( ولا ينقض اليقين أبدا بالشك ) وقوله عليه السلام : ( ولا يعتد بالشك في حال من الحالات ) في إلغاء احتمال الخلاف ، كما هو الحال في الامارات ، فهو أمارة حيث لا أمارة ، فيقدم على بقية الأصول بملاك رفعه لموضوعها ، الذي هو الملاك في تقدم الامارات عليها .
وفيه : أنه تقدم في ذيل الكلام في أخبار الاستصحاب عدم كون الاستصحاب من الامارات . كما أن عدم الاعتداد بالشك وعدم نقضه لليقين لا يرجع إلى إلغائه ، بل إلى عدم صلوحه للمنع من مقتضى اليقين السابق .
وفرض كونه أمارة حيث لا أمارة مما لا نظير له عرفا ، بل المألوف عرفا تقديم بعض الامارات على بعض ، وإن تمت جهة كشفها ، كتقديم البينة على اليد . فلاحظ .
المبنى الثالث : أن مقتضى الجمع العرفي بين دليل الاستصحاب وأدلة الأصول المذكورة هو تقديم الاستصحاب ، وإن لم يكن رافعا لموضوعها ولا ناظرا إليها ، لخصوصية في نفس الدليلين ولو بلحاظ مدلوليهما تقتضي عرفا تحكيم أحدهما على الاخر ، وإن كان بينهما عموم من وجه ، وذلك لان أدلة الأصول وإن اقتضت بإطلاقها فعلية العمل بمقتضاها ولو مع سبق اليقين على خلافه ، إلا أن المناسبات الارتكازية في مقام الجمع بينها وبين دليل الاستصحاب يقتضي حملها على السعة والاحتياط من حيثية موضوعها - وهو الشك - فلا ينافي عدم فعلية مقتضاها لأمر زائد على موضوعها مانع من تأثيره وهو اليقين السابق .
فالحكم في الأصول ناشئ من عدم الاكتفاء بالشك في التعذير أو التنجيز ، وأن ثبوت مقتضاها لعدم المقتضي لخلافه ، أما الحكم في الاستصحاب فهو