إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى كفر أبي طالب) - الموسوي، فخار بن معد - الصفحة ٧٧ - حديث الضحضاح
نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى[١] إِنَّكَ إِنْ لَمْ تُقِرَّ بِإِيمَانِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ مَصِيرُكَ إِلَى النَّارِ[٢].
حديث الضحضاح[٣]
وَ أَخْبَرَنِي بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ عَبْدُ الْحَمِيدِ
[١] النساء آية: ١١٤.
[٢] اورد الحديث عن أبان بن محمود ابن أبي الحديد في شرح النهج:
٣١١/ ٣ و كذلك نقله شيخنا الأمينى في الغدير ٣٨١/ ٧، و في الدرجات الرفيعة ٥٠ عن أبان بن محمّد.
[٣] الضحضاح: بفتح الضاد المعجمة بعدها الحاء المهملة الساكنة: هو في الأصل ما رق من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار، ذكره( ابن الأثير في النهاية في حرف الضاد) بعد ان ذكر الحديث المذكور.
و حديث الضحضاح، من الأحاديث المشهورة، و التي تمسك به القوم دليلا على كفر أبي طالب- و العياذ باللّه- روى هذا الحديث عدد غير قليل من الرواة و لكن في طليعة اولئك الراوين هم مسلم، و البخاري، و بصور متعدّدة و بأسناد مختلفة:
الرواية الأولى-: عن العباس بن عبد المطلب انه قال: يا رسول اللّه هل نفعت أبا طالب بشيء فانه كان يحوطك و يغضب لك؟
قال: نعم هو في ضحضاح من نار، و لو لا انا لكان في الدرك الأسفل من النار.
الرواية الثانية-: عن العباس بن عبد المطلب- ايضا- يقول: قلت: يا رسول اللّه إن أبا طالب كان يحوطك و ينصرك، فهل نفعه ذلك؟.-.- قال: نعم وجدته في غمرات من النار، فاخرجته إلى ضحضاح.
الرواية الثالثة-: عن ابن العباس: ان رسول اللّه ٦ قال: اهون اهل النار عذابا أبو طالب، و هو منتعل بنعلين، يغلي منهما دماغه.
الرواية الرابعة-: عن ابي سعيد الخدري: ان رسول اللّه ٦ ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه.
هذه الروايات الأربع تكاد تكون الروايات الرئيسية لهذا الحديث و هناك روايات اخرى متعدّدة و لكنها تختلف اختلافا يسيرا مع ما ذكرنا.
اشترك في ذكر هذه الروايات كل من البخاري: ٣٣- ٣٤/ ٦ في صحيحه و من الغريب ان باب ايمان أبي طالب لا يوجد في الطبعة الأولى( طبعة بولاق) و مسلم في صحيحه ايضا: ٧٧/ ١ و طبقات ابن سعد: ١٢٤/ ١ و مسند أحمد: ٢٠٦ ٢٠٧/ ١ و تاريخ ابن كثير: ١٢٥/ ٣ و غيرها من المصادر.
و الذي يلفت النظر ان رواة هذه الأحاديث جميعا بين كذاب مشهود عليه و بين نكرة غير معروف، او مدلس مشهور، او وضاع اثيم او مجهول لا يؤخذ بحديثه
و على سبيل المثال: نذكر رواية واحدة بأسنادها لنقف على جلية امرهم بعد عرضهم على محكة الجرح و التعديل و سيكون بعد ذلك المقصود واضحا من وضع هذه الأحاديث.
هذه الرواية نقلها مسلم عن ابن أبي عمير، حدّثنا سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد اللّه بن الحارث قال: سمعت العباس يقول قلت يا رسول اللّه إن أبا طالب كان يحوطك و ينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: نعم وجدته في غمرات النار، فاخرجته إلى ضحضاح.( صحيح مسلم: ٧٧/ ١، ط بولاق).
و إذا انتقلنا إلى سلسلة رواة هذا الحديث فأول ما نصطدم بابن أبي عمير و هذا مجهول لا يعرف له ظل، ثمّ ننتقل إلى سفيان الثوري، فقد عرفه الذهبي-.- في( ميزان الاعتدال: ١٦٩/ ٢) إنّه يدلس، و يكتب عن الكذابين.
ثمّ نحن بازاء عبد الملك بن عمير الذي طال عمره، و ساء حفظه، قال أبو حاتم ليس بحافظ تغير حفظه، و قال الإمام احمد: ضعيف يغلط، و قال ابن معين: مخلط و قال ابن خراش: كان شعبة لا يرضاه، و ذكر الكوسج عن أحمد:
انه ضعيف جدا و قال ابن حبان: كان مدلسا. راجع:( ميزان الاعتدال للذهبى:
٦٩٠/ ٢٢، و دلائل الصدق ٤٥/ ١، و الغدير: ٢٣/ ٨).
و لننظر إلى عبد اللّه بن الحارث: فهو لا يختلف عن سابقه كما صرحت المصادر في ذلك.
و على هذه الوتيرة لو فتشنا عن سلسلة رواة هذه الأحاديث على اختلافها لرأينا انهم من نمط واحد لا يختلفون.
و لقد بحث شيخنا الحجة الأميني هذا الحديث و فنده. راجع:( الغدير:
٢٣- ٢٧/ ٨).
كما افرد الأستاذ عبد اللّه الخنيزي بحثا طريفا في سلسلة رواة هذه الأحاديث فلم يخرج من جميع ذلك عن صادق واحد او مرضي عنه على الأقل، إنّما اشترك في نقله جمع من الوضاعين، و الكذابين، و القى على الأحاديث اضواء كشفت عن التضارب الفظيع الذي فيها.
اما من حيث سنده إلى العباس- خاصّة- فهذا معارض بالحديث الذي نقله جل المؤرخين عن العباس، و في مقدمتهم ابن أبي الحديد في( شرح النهج: ٣١٢/ ٣) بأن أبا طالب ما مات الا ان قال: كلمة الشهادة، مضافا الى شهادة الرسول الأعظم في حقّ هذا الصحابيّ الجليل.
و مبعث هذا كله معاوية بن أبي سفيان، ذلك الذي استأجر النفوس الساقطة من حثالة الصحابة، و اغدق عليهم الأموال، و سخرهم لمصلحته يرسلون هذه الأخبار حقدا و حسدا.-.- و الذي يؤلم ان عدة من رجال التاريخ و أهل العلم نقلوا هذه الأحاديث على علانها دون تمحيص امثال مسلم و ابن سعد، و ابن كثير، و البخاري، و هذا الأخير كان يسجد للّه شكرا إذا دون حديثا. و لعله بدافع عميق سجد للّه مرّات و مرّات على تدوينه لهذه الأحاديث.
و إنّي ارجو من القراء الكرام ان يرجعوا الى بحث الأخ المجاهد الأستاذ الخنيزي في كتابه( أبو طالب، مؤمن قريش ٣٧٧- ٤٠٣) ليقفوا على مدى ما يتمتع به واضعو هذه الأحاديث من الدرجة في معرض الجرح و التعديل، معتمدا في ذلك على خير المصادر السنية، و في مقدمتها، ميزان الاعتدال للذهبى، و تهذيب التهذيب لابن حجر و غيرهما.