مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٩٧
قلوب العباد و قد امتلأت فزعا و رعبا و تساقطوا جثيا على ركب و ولوا مدبرين و سقط بعضهم على الوجوه و ينادي الظالمون و العصاة بالويل و الثبور و نادى الصديقون نفسي نفسي فبينما هم كذلك إذ زفرت النار زفرتها الثانية فتضاعف خوفهم و تخاذلت قواهم و ظنوا أنهم مأخوذون ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق بوجوههم و شخصوا بأبصارهم يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ خاشع فانهضمت قلوب الظالمين فبلغت الحناجر كاظمين فينادى العبد فيقال له يا ابن آدم أ لم أكرمك و أسودك و أزوجك و أسخر لك الخيل و الإبل أ لم أنعم عليك بالشباب ففي ما ذا أبليته أ لم أمهل عليك في العمر ففي ما ذا أفنيته أ لم أرزقك المال ففي ما ذا أنفقته أ لم أكرمك بالعلم ففي ما ذا عملت فيما علمت فكيف ترى حياءك و خجلك و هو يعد عليك إنعامه و معاصيك و أياديه و مساويك و أنت قائم بقلب خافق محزون وجل و طرف خاشع ذليل و فؤاد منكسر و أعطيت كتابك الذي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها فكم من فاحشة نسيتها فتذكر بها و كم من طاعة غفلت عن أوقاتها فانكشفت لك عن مساويها فكم لك من خجل و جبن فليت شعري بأي قدم تقف بين يديه و بأي لسان تجيب و بأي قلب تعقل ما تقول ثم تفكر في عظم جنايتك إذ ذكرت ذنوبك إذ يقول يا عبدي أ ما استحييت مني فبارزتني بالقبيح و استحييت من خلقي فأظهرت لهم الجميل أ كنت أهون عليك من عبادي و استخففت بنظري إليك فلم تكبرت و استعظمت غيري.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَيَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَقُولُ لَهُ أَ لَمْ أُوتِكَ مَالًا فَيَقُولُ بَلَى أَ لَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيَقُولُ بَلَى ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ فَلْيَتَّقِ أَحَدُكُمْ النَّارَ وَ لَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَإِذَا لَمْ تَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةً ثُمَّ يَقُولُ يَا ابْنَ آدَمَ مَا غَرَّكَ بِي يَا ابْنَ آدَمَ مَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا ذَا أَجَبْتَ الرُّسُلَ يَا ابْنَ آدَمَ أَ لَمْ أَكُنْ رَقِيباً عَلَيْكَ عَلَى عَيْنَيْكَ وَ أَنْتَ تَنْظُرُ بِهَا مَا لَا يَحِلُّ لَكَ أَ لَمْ أَكُنْ رَقِيباً عَلَى أُذُنَيْكَ وَ هَكَذَا يَعُدُّ سَائِرَ الْأَعْضَاءِ
. قيل لا يزول قدم عبد بين يدي الله عز و جل حتى يسأله عن أربع خصال عن عمره فيما أفناه و عن علمه ما عمل فيه و عن جسده فيما أبلاه و عن ماله من أين اكتسبه