مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٩٣ - صفة أرض المحشر و أهله
منكسة رءوسها مختلطة بالخلائق بعد توحشها ذليلة ليوم النشور من غير خطيئة تدنست بها و لكن حشرهم شدة الصعقة و هول النفخة و شغلهم ذلك عن الهرب من الخلق و التوحش منهم و ذلك قوله تعالى وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ثم أقبلت الشياطين المردة بعد تمردها و أذعنت خاشعة من هيبة العرض على الله تعالى تصديقا لقوله تعالى فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا[١] فتفكر في حالك و حال قلبك هنالك
صفة أرض المحشر و أهله
ثم انظر كيف يساقون بعد البعث و النشور و هم حفاة عراة إلى أرض المحشر أرض بيضاء صفصف[٢] لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و لا ترى عليها ربوة[٣] يختفي الإنسان تحتها و لا وهدة[٤] ينخفض عن العين فيها بل هو صعيد واحد بسيط لا تفاوت فيها يساقون إليه زمرا[٥] فسبحان من جمع الخلائق على اختلاف أصنافهم من أقطار الأرض إذ ساقهم بالراجفة تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ و الراجفة هي النفخة الأولى و الرادفة هي الثانية و حقيق لتلك القلوب أن تكون يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ و لتلك الأبصار أن تكون خاشعة.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ[٦] كَقُرْصَةِ النَّقِيِ[٧] لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ وَ السَّمَاءُ تَذْهَبُ شَمْسُهَا وَ قَمَرُهَا وَ نُجُومُهَا
فانظر يا مسكين في هول يوم القيامة و شدته فإذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم نجوم السماء و طمس الشمس و القمر و أظلمت الأرض لخمود سراجها فبينما أنت كذلك إذ دارت السماء من فوق رءوسهم و انشقت مع غلظها و شدتها خمسمائة عام و الملائكة
[١] سورة مريم آية ٧٠.
[٢] الصفصف: المستوى من الأرض.
[٣] الربوة مثلثة الراء: المرتفع من الأرض.
[٤] الوهدة وزان الضربة: ما انخفض من الأرض.
[٥] الزمر جمع الزمرة بمعنى الجماعة.
[٦] مؤنث الاعفر و هو الابيض و ليس شديد البياض.
[٧] أي كقرصة الخبز النقى الحنطة الابيض اللون.