مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٨٦ - ذكر ما قال العارفون على الجنائز و المقابر
هَذِهِ قُبُورُ آبَائِي بَنِي أُمَيَّةَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي لَذَّاتِهِمْ وَ عَيْشِهِمْ أَ مَا تَرَاهُمْ صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَ اسْتَحْكَمَ فِيهِمُ الْبِلَى وَ أَصَابَتِ الْهَوَامُّ مُقْبِلًا فِي أَبْدَانِهِمْ ثُمَّ يَبْكِي.
أَبْيَاتٌ وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً عَلَى قَبْرٍ
|
تُنَاجِيكَ أَجْدَاثٌ وَ هُنَّ سُكُوتٌ |
وَ سُكَّانُهَا تَحْتَ التُّرَابِ خُفُوتٌ[١] |
|
|
أَيَا جَامِعَ الدُّنْيَا لِغَيْرِ بَلَاغهِ |
لِمَنْ تَجْمَعُ الدُّنْيَا وَ أَنْتَ تَمُوتُ |
|
.
وَ وُجِدَتْ عَلَى قَبْرِ طَبِيبٍ مَكْتُوبٌ
|
قَدْ قُلْتُ لَمَّا قَالَ لِي قَائِلٌ |
قَدْ صَارَ نُعْمَانُ إِلَى رَمْسِهِ |
|
|
فَأَيْنَ مَا يُوصَفُ مِنْ طِبِّهِ |
وَ حَذْقُهُ فِي الْمَاءِ مَعَ حِسِّهِ |
|
|
هَيْهَاتَ لَا يَدْفَعُ عَنْ غَيْرِهِ |
مَنْ كَانَ لَا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ |
|
وَ وُجِدَتْ عَلَى قَبْرٍ مَكْتُوبٌ
|
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كَانَ لِي أَمَلٌ |
قَصَّرَنِي عَنْ بُلُوغِهِ الْأَجَلُ |
|
|
مَا أَنَا وَحْدِي الَّذِي خُصِصْتُ بِهِ |
كُلٌّ إِلَى مِثْلِ ذَا سَيَنْتَقِلُ |
|
|
فَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ رَجُلٌ |
أَمْكَنَهُ فِي حَيَاتِهِ الْعَمَلُ |
|
. فهذه الأبيات كتبت على القبور لتقصير سكانها عن الاعتبار قبل الموت و البصير هو الذي ينظر إلى قبر غيره فيرى مكانه بين أظهرهم و يعلم أنه لاحق بهم لا محالة و ليتحقق أنه لو عرض عليهم يوما واحدا من أيام عمره الذي هو مضيع له لكان ذلك اليوم أحب إليهم من الدنيا بحذافيرها لأنهم عرفوا قدر الأعمال و انكشف لهم حقائق الأمور فإنما حسرتهم يوم واحد من العمر ليتدارك المقصر له بتقصيره فيتخلص من العقاب و ليستزيد الموفق به رتبته فيضاعف[٢] له الثواب فإنهم إنما عرفوا قدر العمر بعد انقطاعه فحسرتهم في ساعة من الحياة و أنت قادر على تلك الساعة و لعلك تقدر على أمثالها و أنت مضيع لها فوطن نفسك على التحسر على تضييعها عند خروج الأمر من الاختيار
[١] خفت خفتا من باب ضرب: سكت و الخفوت جمع الخافت.
[٢] في بعض النسخ[ فيتضاعف].