مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٧ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
الْحُبُكِ وَ السَّماءِ وَ ما بَناها و قوله وَ الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها و كقوله فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ و قوله وَ النَّجْمِ إِذا هَوى فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ فقد علمت أن عجائب النطفة القذرة عجز عن معرفتها الأولون و الآخرون و ما أقسم الله بها فما ظنك بما أقسم الله تعالى به و قد أثنى على المتفكرين فيه فقال وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ
وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا سَبَلَتَهُ
أي تجاوز عنها من غير فكر و ذم المعرضين عنها فقال وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَ هُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ[١] فأي نسبة للأرض و البحار إلى السماء و هذه متغيرات عن القرب و السماوات صلاب شداد محفوظات عن التغير إلى أن يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ و لذلك سماه الله تعالى سقفا محفوظا فقال وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً و قال وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً و قال أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها فانظر إلى الملكوت و ليس بأن تمد البصر إليه فترى زرقة السماء و ضوء الكواكب و تفرقها فإن البهائم تشاركك في هذا النظر و إن كان هذا المراد فلم مدح الله تعالى إبراهيم ع بقوله وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ. فأطل أيها العاقل نظرك و فكرك و انظر إلى السماء و كواكبها و دورانها و طلوعها و غروبها و شمسها و قمرها و اختلاف مشارقها و مغاربها و دءوبها[٢] في الحركة على الدوام من غير فتور في حركتها و من غير تغير في سيرها بل تجري جميعا في منازل مترتبة بحساب مقدر لا يزيد و لا ينقص إلى أن يطويها الله تعالى طي السجل للكتب ثم انظر إلى سير الشمس في فلكها ثم هي تطلع في كل يوم و تغرب فسبحان من خلقها و سخرها و لو لا طلوعها و لا غروبها لما اختلف الليل و النهار و لم تعرف المواقيت و أطبق الظلام على الدوام أو الضياء على الدوام و كان لا يتميز وقت المعاش عن وقت الاستراحة فانظر كيف جعل اللَّيْلَ لِباساً وَ النَّوْمَ سُباتاً و النَّهارَ مَعاشاً و انظر إلى إيلاجه اللَّيْلَ فِي النَّهارِ^ و النَّهارَ فِي اللَّيْلِ^ و إدخاله
[١] سورة الأنبياء: ٣٢.
[٢] الدءوب وزان المرور مصدر قولهم دأب دأبا في العمل من باب منع: جد و تعب و استمر عليه.