مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٦٠ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
أجزاء مختلفة و يتصل به من أسفله عظم العصعص[١] و هو أيضا مؤلف من ثلاثة أجزاء مختلفة ثم وصل عظام الظهر بعظام الصدر و عظام الكتف و عظام البدن و عظام العانة و عظام العجز ثم عظام الفخذين و الساقين و أصابع الرجلين فلا نطول بذكر عدد ذلك و مجموع عدد العظام في بدن الإنسان مائتا عظم و ثمانية و أربعون عظما سوى العظام الصغيرة التي حشي بها خلل المفاصل فانظر كيف خلق جميع ذلك من نطفة سخيفة رقيقة و ليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يعرف عددها فإن هذا علم غريب يعرفه الأطباء و المشرحون و إنما الغرض أن ينظر منها في مدبرها و خالقها أنه كيف دبرها مدبرها و قدرها و خالف بين أشكالها و أقدارها و خصصها بهذا العدد المخصوص لأنه لو زاد عليها واحدا لكان وبالا على الإنسان يحتاج إلى قطعه و لو نقص منها واحدا لكان نقصانا يحتاج إلى جبره فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج في جبرها و أهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا بها على جلالة خالقها و مصورها فشتان بين النظرين ثم انظر كيف خلق الله تعالى الآلات لتحريك العظام و هي العضلات فخلق في بدن الإنسان خمسمائة عضلة و العضلة هي مركبة من لحم و عصب و ربط و أغشية و هي مختلفة الأشكال و المقادير بحسب اختلاف مواضعها و حاجاتها فأربع و عشرون عضلة منها لتحريك حدقة العين و أجفانها فلو نقصت واحدة من جملتها اختل أمر العين و هكذا لكل عضو عضلات بعدد مخصوص و أمر الأعصاب و العروق و الأوردة و الشرايين و عددها و منابتها و انشعابها أعجب من هذا كله و شرحه يطول فللتفكر مجال في آحاد هذه الأجزاء ثم في آحاد الأعضاء ثم في جملة البدن فكل ذلك نظرا إلى عجائب أجسام البدن و عجائب المعاني و الصفات التي لا تدرك بالحواس أعظم فانظر الآن إلى ظاهر الإنسان و باطنه و إلى بدنه و صفاته فترى فيه من الصنعة ما يفضي به إلى العجب و كل ذلك صنع الله في قطرة ماء قذرة فترى من هذا صنعه في قطرة ماء فما صنعه في ملكوت السماوات و الأرض و كواكبها و ما حكمته في أوضاعها و أشكالها و مقاديرها و أعدادها و اجتماع بعضها و تفرق بعضها و اختلاف صورها و تفاوت
[١] العصعص بضم العينين وزان القنفد و العلبط و ربما يجىء وزان عصفور و جاء على وزن الزبر و الادر بحذف ثاني العينين بمعنى مؤخر العظم و الذنب و قد قيل انه اول ما يخلق من الحيوان و آخر ما يبلى منه.