مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٥٨ - بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ[١] و ذكر أنك مخلوق مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ. و قال تعالى وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ[٢]. و قال تعالى أَ لَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ[٣]. و قال تعالى أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ[٤]. و قال تعالى إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ[٥]. ثم ذكر كيف جعل النطفة علقة و العلقة مضغة و المضغة عظاما فقال وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً[٦] الآية فكرر ذكر النطفة في الكتاب العزيز ليمعن النظر و الفكر في معناه لا ليغفل عنه فانظر الآن إلى النطفة و هي قطرة من الماء قذرة لو تركت ساعة ليضربها الهواء لفسدت و أنتنت كيف أخرجها رب الأرباب من الصُّلْبِ وَ التَّرائِبِ و ألقى الألفة و المحبة في قلوبهم و كيف قادهم بسلسلة الشهوة إلى الاجتماع و كيف استخرج النطفة من الرجل بحركة الوقاع و كيف استجلب دم الحيض من أعماق العروق و جمعه في الرحم ثم كيف خلق المولود من النطفة و سقاه بماء الحيض و غذاه حتى نما و ربا[٧] و كبر و كيف جعل النطفة و هي بيضاء مشرقة علقة حمراء ثم كيف قسم أجزاء النطفة و هي متشابهة متساوية إلى العظام و الأعصاب و العروق و الأوتار و اللحم ثم كيف ركب منها اللحوم و الأعصاب و العروق و الأعضاء الظاهرة فدور الرأس و شق السمع و البصر و الأنف
[١] سورة الذاريات آية ٢١.
[٢] سورة الروم آية ٢٠.
[٣] سورة المرسلات ٧٧ آية ٢٠.
[٤] سورة ياسين آية ٧٧.
[٥] سورة الدهر آية ٢.
[٦] سورة المؤمنون ٢٣ آية ١٢ تا ١٤.
[٧] ربا يربو رباء و ربوا بالضم و التشديد: زاد و نما.