مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٩ - باب محاسبة النفس
و اعلم أن أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك و هي أمارة بالسوء ميالة إلى الشر فراره عن الخير و أمرت بتزكيتها و تقويمها و قودها بالقهر إلى عبادة ربها و خالقها و بمنعها عن ميلها إلى شهواتها و لذاتها فإن أهملتها جمحت و شردت[١] و لم تظفر بها بعد ذلك و إن لازمتها بالتوبيخ و العذل و اللائمة كانت النفس المطمئنة التي تدخل في زمرة عباد الله الصالحين فلا تغفلن ساعة عن تذكيرها و معاتبتها و لا تشتغل بوعظ غيرك ما لم تشتغل أولا بوعظ نفسك.
قِيلَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى بَعْضِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِظْ نَفْسَكَ فَإِنِ اتَّعَظْتَ فَعِظِ النَّاسَ وَ إِلَّا فَاسْتَحْيِ مِنِّي
. و قال الله تعالى وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ و سبيلك أن تقبل عليها فتقرر[٢] عندها جهلها و غباوتها فإنها أبدا تتغرر بفطنتها و هدايتها و يشتد أنفها[٣] و استنكافها إذا نسبت إلى الحمق[٤] فتقول لها يا نفس ما أعظم جهلك تدعين الحكمة و الذكاء و الفطنة و أنت أشد الناس غباوة و حمقا أ ما تعرفين ما بين يديك من الجنة و النار و أنك صائرة إلى إحداهما على القرب فما لك تفرحين و تضحكين و تشتغلين باللهو و أنت مطلوبة لهذا الخطب الجسيم و عساك اليوم أو غدا تختطفين[٥] فأراك ترين الموت بعيدا و يراه الله قريبا أ ما تعلمين أن كل ما هو آت قريب و أن البعيد ما ليس بآت أ ما تعلمين أن الموت يأتي بغتة من غير تقديم رسول و من غير مواعدة و مواطاة و أنه لا يأتي في شتاء دون صيف و لا في صيف دون شتاء و لا في نهار دون ليل و لا في ليل دون نهار و لا يأتي في الصبا دون الشباب و لا في الشباب دون الصبا بل كل نفس من الأنفاس يمكن أن يكون الموت فيه فجأة و إن لم يكن الموت فيه فجأة فيكون المرض فجأة ثم يفضي إلى الموت فما لك لا تستعدين للموت و هو أقرب إليك من كل قريب أ ما تتدبرين قوله
[١] شرد شرودا من باب نصر و جمح الفرس جموحا و جمحا و جماحا من باب منع استعصى:
فغلب على صاحبه و ذهب به.
[٢] في بعض النسخ[ فتفرد]:
[٣] الانف وزان المرض: الترفع و التكبر و يصرف من باب علم.
[٤] في بعض النسخ[ إلى أن نسبت الى الحمق].
[٥] الاخطاف: الاخذ بسرعة.