مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٨ - باب محاسبة النفس
قَدْ أَسْهَرَهُ ذِكْرُ النَّارِ وَ مَسْأَلَةُ الْجَبَّارِ فَذَلِكَ هُوَ الرَّاهِبُ وَ أَمَّا أَنَا فَكَلْبٌ عَقُورٌ حَبَسْتُ نَفْسِي فِي هَذِهِ الصَّوْمَعَةِ عَنِ النَّاسِ لِئَلَّا أَعْقِرَهُمْ فَقُلْتُ يَا رَاهِبُ فَمَا الَّذِي قَطَعَ الْخَلْقَ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْدَ إِذْ عَرَفُوهُ فَقَالَ يَا أَخِي لَمْ يَقْطَعِ الْخَلْقَ عَنِ اللَّهِ إِلَّا حُبُّ الدُّنْيَا وَ زِينَتُهَا لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْمَعَاصِي وَ الذُّنُوبِ فَالْعَاقِلُ مَنْ رَمَى بِهَا عَنْ قَلْبِهِ وَ تَابَ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذَنْبِهِ وَ أَقْبَلَ عَلَى مَا يُقَرِّبُهُ مِنْ رَبِّهِ.
وَ قِيلَ لِبَعْضِهِمْ لَوْ سَرَّحْتَ لِحْيَتَكَ قَالَ إِنِّي إِذاً لَفَارِغٌ
عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع أَنَّهُ قَالَ صَلَّيْتُ الصُّبْحَ خَلْفَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَلَمَّا سَلَّمَ انْفَتَلَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَلَيْهِ كَآبَةٌ[١] فَمَكَثَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَلَبَ يَدَهُ وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ص وَ مَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئاً يُشْبِهُهُمْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً صُفْراً قَدْ بَاتُوا لِلَّهِ سُجَّداً وَ قِيَاماً يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ يُرَاوِحُونَ بَيْنَ أَقْدَامِهِمْ وَ جِبَاهِهِمْ وَ كَانُوا إِذَا ذَكَرُوا اللَّهَ مَادُوا[٢] كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ فِي الرِّيحِ وَ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ ثِيَابَهُمْ وَ كَانَ الْقَوْمُ بَاتُوا غَافِلِينَ يَعْنِي مَنْ كَانَ حَوْلَهُ
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ مَا أَنَا أَسِيرُ فِي طَرِيقِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً فَقَصَدْتُهُ وَ إِذَا بِرَجُلٍ يُرَدِّدُ هَذِهِ الْآيَةَ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[٣] قَالَ ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ مَقَامِ الْكَذَّابِينَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْبَطَّالِينَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ إِعْرَاضِ الْغَافِلِينَ ثُمَّ قَالَ لَكَ خَشَعَتْ قُلُوبُ الْخَائِفِينَ وَ إِلَيْكَ فَزِعَتْ آمَالُ الْمُقَصِّرِينَ وَ لِعَظَمَتِكَ ذَلَّتْ قُلُوبُ الْعَارِفِينَ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ وَ أَهْلُ الدُّهُورِ السَّالِفَةِ فِي التُّرَابِ يَبْلُونَ وَ عَلَى الزَّمَانِ يَفْنُونَ.
[١] الكأبة و الكآبة: الانكسار من الحزن و سوء الحال و يصرف من باب علم فهو كئيب و كئب وزان قمن.
[٢] ماد يميد ميدا و ميدانا: اضطرب و تحرك فالمعنى انهم يضطربون عند ذكر اللّه و يتغير حالهم كما يضطرب الشجر عند الريح و يتمايل من جانب الى جانب.
[٣] سورة آل عمران آية ٣٠.