مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٥ - باب محاسبة النفس
وَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْلُ غَالِباً لِلْهَوَى فَلَا تَعْمَلْ بِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ
وَ قَالَ لُقْمَانُ إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَبْصَرَ الْعَاقِبَةَ فَأَمِنَ النَّدَامَةَ
وَ رَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ عَنْهُ ص أَنَّهُ قَالَ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَ عَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَ الْأَحْمَقُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ
دان نفسه أي حاسب نفسه و يوم الدين هو يوم الحساب و قوله تعالى أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ أي لمحاسبون.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَ زِنُوهَا قَبْلَ أَنْ تُوَازَنُوا وَ تَأَهَّبُوا[١] لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ
و قوله ص دان نفسه و عمل لما بعد الموت معناه وزن الأمور أولا و قدرها و نظر فيها و تدبرها ثم أقدم عليها فباشرها
سُئِلَ جَبْرَئِيلُ ع عَنِ الْأَحْسَابِ[٢] فَقَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ
و قال تعالى أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى و قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا جَلَسْتَ تَعِظُ النَّاسَ فَكُنْ وَاعِظاً لِنَفْسِكَ وَ قَلْبِكَ وَ لَا يَغُرَّنَّكَ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَيْكَ فَإِنَّهُمْ يُرَاقِبُونَ ظَاهِرَكَ وَ اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَى بَاطِنِكَ.
وَ حُكِيَ أَنَّهُ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَ كَانَ لَهُ جَمَاعَةٌ يَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ وَ يُدِيمُونَ الْمُجَالَسَةَ مَعَهُ لِلْإِفَادَةِ فَكَانَ يُكْرِمُ مِنْ بَيْنِهِمْ شَابّاً وَ يُقَدِّمُهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ كَيْفَ تُكْرِمُ هَذَا وَ هُوَ شَابٌّ وَ نَحْنُ شُيُوخٌ فَدَعَا بِعِدَّةِ طُيُورٍ وَ نَاوَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ طَائِراً وَ سِكِّيناً وَ قَالَ لِيَذْبَحْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ طَائِرَهُ فِي مَوْضِعٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ وَ دَفَعَ إِلَى الشَّابِّ مِثْلَ ذَلِكَ وَ قَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لَهُمْ فَرَجَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِطَائِرِهِ مَذْبُوحاً وَ رَجَعَ الشَّابُّ وَ طَائِرُهُ فِي يَدِهِ حَيٌّ فَقَالَ مَا لَكَ لَمْ تَذْبَحْ كَمَا ذَبَحَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ لَمْ أَجِدْ مَوْضِعاً لَا يَرَانِي فِيهِ أَحَدٌ إِذِ اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيَّ فِي كُلِّ مَكَانٍ
فاستحسنوا منه هذه المراقبة
[١] التاهب: التهيؤ و الاستعداد.
[٢] في بعض النسخ[ الاحسان] و هو متقارب من الاحساب فانه ليس بمعنى المحاسبة بل معناه الاعطاء جزيلا كافيا يقال: أعطاه فأحسب اي أكثر و اجزل في عطائه بحيث يقول المعطى له: حسبى و كفى. فمعنى قوله( ع) الاحساب أن تعبد اللّه إلخ ان ذلك هو العمل الجزيل الذي يكتفى به إذا اعطاه لنفسه بان يكون عاملا به.