مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٣٣ - باب محاسبة النفس
فإذا أصبح العبد و فرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبه ساعة لمشارطة النفس كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك يفرغ المجلس لمشارطته فيقول للنفس ما لي بضاعة إلا العمر و مهما فني رأس المال حصلت الخسارة و وقع اليأس من التجارة و هذا اليوم الجديد قد أمهلني الله تعالى فيه و أنسأ في أجلي و أنعم علي به و لو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يوما واحدا حتى أعمل فيه صالحا فاحسبي أنك توفيت ثم رددت فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها و اعلمي يا نفس أن اليوم و الليلة أربع و عشرون ساعة
وَ قَدْ وَرَدَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُنْشَرُ لِلْعَبْدِ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعٌ وَ عِشْرُونَ خِزَانَةً مَصْفُوفَةً فَتُفْتَحُ لَهُ مِنْهَا خِزَانَةٌ فَيَرَاهَا مَمْلُوَّةً نُوراً مِنْ حَسَنَاتِهِ الَّتِي عَمِلَهَا فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَيَنَالُهُ مِنَ الْفَرَحِ وَ السُّرُورِ وَ الِاسْتِبْشَارِ بِمُشَاهَدَةِ تِلْكَ الْأَنْوَارِ الَّتِي هِيَ وَسِيلَةٌ عِنْدَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ مَا لَوْ وُزِّعَ عَلَى أَهْلِ النَّارِ لَأَدْهَشَهُمْ ذَلِكَ الْفَرَحُ عَنِ الْإِحْسَاسِ بِأَلَمِ النَّارِ وَ تُفْتَحُ لَهُ خِزَانَةٌ أُخْرَى سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ يَفُوحُ نَتْنُهَا وَ يَتَغَشَّاهُ ظُلَامُهَا وَ هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي عَصَى اللَّهَ فِيهَا فَيَنَالُهُ مِنَ الْهَوْلِ وَ الْفَزَعِ مَا لَوْ قُسِمَ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ لَتُنَغِّصُ عَلَيْهِمْ نَعِيمَهَا وَ تُفْتَحُ لَهُ بَابُ خِزَانَةٍ أُخْرَى فَارِغَةٍ لَيْسَ فِيهَا مَا يَسُرُّهُ وَ لَا مَا يَسُوؤُهُ وَ هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي نَامَ فِيهَا أَوْ غَفَلَ عَنْهَا أَوِ اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ مِنْ مُبَاحَاتِ الدُّنْيَا فَيَتَحَسَّرُ عَلَى خُلُوِّهَا وَ يَنَالُهُ مِنْ غَبْنِ ذَلِكَ مَا يَلْحَقُهُ حُزْنٌ عَظِيمٌ
و ناهيك به من حسرة و غبن و هكذا على خزائن أوقاته طول عمره فيقول لنفسه اجتهدي اليوم في أن تعمري خزائنك و لا تدعها فارغة عن كنوزك التي هي أسباب ملك الأبد و لا تميلي إلى الكسل و الدعة[١] و الاستراحة فيفوتك من درجات عليين ما يدركه غيرك و تبقى عندك حسرته لا تفارقك و إن دخلت الجنة فألم الغبن و حسرته لا يطاق.
وَ قَالَ بَعْضُهُمْ هَبْ أَنَّ الْمُسِيءَ قَدْ عُفِيَ عَنْهُ أَ لَيْسَ قَدْ فَاتَهُ ثَوَابُ الْمُحْسِنِينَ
أشار به إلى الغبن و الحسرة و قد قال تعالى يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ[٢] فهذه وصية لنفسه ثم يستأنف لها وصية في أعضائها السبعة و هي العين و الأذن و اللسان
[١] الدعة: خفض العيش و الراحة.
[٢] سورة التغابن ٦٤ آية ٩.