مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢١٤ - بيان آفة العجب
عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
فمن عرف هذه الأمور علم أنه لا ينفع إلا التقوى. و أما العجب بكثرة الأولاد و الأموال و الخدم و الغلمان و العشيرة و الأقارب و الأنصار كما قال الكافرون نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَ أَوْلاداً علاجه هو أن يتفكر في ضعفهم و ضعفه و أن كلهم عبيد عجزة لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا و لا حياة و لا موتا ثم كيف يعجب بهم و إنهم سيفترقون عنه إذا مات فيدفن في قبره ذليلا مهينا وحده لا يرافقه ولد و لا أهل و لا حميم و لا عشيرة فيسلمونه إلى البلى و إلى الحيات و العقارب و الديدان و لا يغنون عنه شيئا و هو أحوج ما يكون إليهم و كذلك يهربون منه يوم القيامة يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ وَ فَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ فأي خير فيمن يفارقك في أشد أحوالك و يهرب منك و كيف تعجب به و لا ينفعك في القبر و القيامة و على الصراط إلا عملك و فضل الله تعالى فكيف تتكل على من لا ينفعك و تنسى نعم من يملك ضرك و نفعك و موتك و حياتك أ تعجب بالمال كما قال تعالى إخبارا عن صاحب الجنتين إذ قال أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَ أَعَزُّ نَفَراً[١]
وَ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ص رَجُلًا غَنِيّاً جَلَسَ بِجَنْبِهِ فَقِيرٌ فَانْقَبَضَ مِنْهُ وَ جَمَعَ ثِيَابَهُ فَقَالَ ص أَ خَشِيتَ أَنْ يَعْدُوَ إِلَيْكَ فَقْرُهُ
و ذلك المعجب بالغنى. و علاجه أن يتفكر في آفات المال و حقوقه و عظم غوائله و إلى فضيلة الفقراء و سبقهم إلى الجنة في القيامة و إلى أن المال غاد و رائح و لا بقاء له مع كثرة الآفات و التطرق إليه.
وَ قَوْلُهُ ص بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ لَهُ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ إِذْ أَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ[٢] فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
أشار به إلى عقوبة إعجابه بالمال و نفسه.
وَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ لِي يَا أَبَا ذَرٍّ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابٌ جِيَادٌ ثُمَّ قَالَ لِيَ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا رَجُلٌ عَلَيْهِ خُلْقَانٌ[٣] فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ هَذَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ قِرَابِ الْأَرْضِ
[١] سورة الكهف آية ٣٢.
[٢] تجلجل في الأرض دخل فيها و في بعض النسخ[ يتخلخل] بالخاء و هو بمعنى يتحرك.
[٣] ثوب خلق اي البالى يقال ثوب خلق وجبة خلق يستوى فيه المذكر و المؤنث و الجمع أخلاق و خلقان كعثمان.