مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٠٦ - بيان الطريق في معالجة الكبر و اكتساب التواضع
السبيل كيف يسره و إلى طغيان الإنسان ما أكفره و إلى جهل الإنسان كيف أظهره فقال أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ فانظر إلى نعمة الله عليه كيف نقله من تلك الذلة و القلة و الخسة و القذارة إلى هذه الرفعة و الكرامة فصار موجودا بعد العدم و حيا بعد الموت و كان من ذاته لا شيء و أي شيء أخس من لا شيء ثم صار بالله شيئا. و إنما خلقه من التراب الذليل و النطفة القذرة ليعرفه خسة ذاته فيعرف بها نفسه و إنما أكمل النعمة عليه ليعرف بها ربه و يعلم بها عظمته و جلاله و أنه لا يليق الكبرياء إلا به و لذلك امتن عليه فقال أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَ لِساناً وَ شَفَتَيْنِ وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[١] و عرف خسته أولا فقال أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ثم كان علقة ثم ذكر منته عليه فقال فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى ليدوم وجوده بالتناسل لما حصل وجوده ابتداء بالاجتماع. فمن كان هذا بدأه و هذه أحواله فمن أين له البطر و الكبرياء و الفخر و الخيلاء و هو على التحقيق أخس الأخساء و أضعف الضعفاء نعم و لو أكمله و أدام له الوجود لجاز أن يطغى و ينسى المبدأ و المنتهى و لكنه سلط عليه في وجوده الأمراض الهائلة و الأسقام العظيمة و الآفات المختلفة و الطبائع المضادة من المرة و البلغم و الريح و الدم يهدم البعض من أجزائه البعض شاء أم أبى رضي أم سخط فيجوع كرها و يعطش كرها و يمرض كرها و يموت كرها لا يملك لنفسه نفعا و لا ضرا يريد أن يذكر الشيء فينساه و يريد أن ينسى الشيء و يغفل عنه فلا يغفل عنه و ربما يريد الشيء و يكون هلاكه فيه و يكره الشيء و تكون حياته فيه لا يأمن في لحظة من ليله و نهاره أن يسلب سمعه و بصره و تفلج أعضاؤه و يختلس عقله و تخطف روحه فأي شيء أذل منه لو عرف نفسه و أنى يليق الكبر به لو لا جهله فهذا وسط أحواله فليتأمله و أما آخره و مورده فهو الموت المشار إليه بقوله تعالى أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ و معناه أنه يسلب روحه و سمعه و بصره و قوته و علمه و حسه و إدراكه و حركته فيعود جمادا كما كان أول مرة لا يبقى إلا شكل أعضائه و صورته لا حس فيها
[١] سورة البلد.