مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٧٤ - بيان علاج البخل
صَاحِبَهُ بِالْحَيَاةِ فَاخْتَارَ كِلَاهُمَا الْحَيَاةَ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمَا أَ فَلَا كُنْتُمَا مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع آخَيْتُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ص فَبَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ يَفْدِيهِ بِنَفْسِهِ فَيُؤْثِرُهُ بِالْحَيَاةِ اهْبِطَا إِلَى الْأَرْضِ فَاحْفَظَاهُ مِنْ عَدُوِّهِ فَكَانَ جَبْرَئِيلُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَ مِيكَائِيلُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَ جَبْرَئِيلُ يُنَادِي بَخْ بَخْ مَنْ مِثْلُكَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ يُبَاهِي اللَّهُ بِكَ الْمَلَائِكَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ[١]
بيان علاج البخل
اعلم أن البخل سببه حب المال و لحب المال سببان أحدهما حب الشهوات التي لا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل فإن الإنسان لو علم أنه يموت بعد مدة قليلة ربما كان لا يبخل بماله إذ القدر الذي يحتاج في يوم أو في شهر أو في سنة قريب. و إن كان قصير الأمل و كان له أولاد قام الولد مقام طول الأمل لأنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه فيمسك لأجلهم
وَ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْنَبَةٌ مَجْهَلَةٌ
فإذا انضاف إلى ذلك خوف الفقر و قلة الثقة بمجيء الرزق قوي البخل لا محالة. السبب الثاني أن يحب عين المال فمن الناس من معه ما يكفيه لبقية عمره إذا اقتصر على ما جرت عادته بنفقته و يفضل آلاف و هو شيخ لا ولد له و معه أموال كثيرة و لا تسمح نفسه بإخراج الزكاة و لا بمداواة نفسه عند المرض بل صار محبا للدنانير عاشقا لها يلتذ بوجودها في يده و بقدرته عليها فيكنزها تحت الأرض و هو يعلم أنه يموت فتضيع أو يأخذها أعداؤه و مع هذا فلا يسمح لنفسه بأن يأكل منها و يتصدق فهذا مرض القلب عظيم عسير العلاج لا سيما في كبر السن و هو مرض مزمن لا يرجى علاجه و كل شيء له علاج و علاج كل علة بمضادة سببها فيعالج حب الشهوات بالقناعة باليسير و بالصبر و يعالج طول الأمل بكثرة ذكر الموت و النظر في موت الأقران و طول تعبهم في جمع المال و ضياعه بعدهم و يعالج التفات القلب إلى الولد بأن الذي خلقه خلق معه رزقه و كم من ولد لم يرث من أبيه مالا و حاله أحسن ممن ورث و بأن يعلم
[١] سورة البقرة آية ٢٠٧