مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٥١ - بيان حقيقة الدنيا و ماهيتها في حق العبد
مثال آخر لتنعم الناس بالدنيا ثم تفجعهم على فراقها-
اعْلَمْ أَنَّ مَثَلَ النَّاسِ فِيمَا أُعْطَوْا مِنَ الدُّنْيَا مَثَلُ رَجُلٍ هَيَّأَ دَاراً وَ زَيَّنَهَا وَ هُوَ يَدْعُوا إِلَى دَارِهِ عَلَى التَّرْتِيبِ قَوْماً وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَدَخَلَ وَاحِدٌ دَارَهُ فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَبَقٌ مِنْ ذَهَبٍ عَلَيْهِ بَخُورٌ وَ رَيَاحِينُ يَشَمُّهَا وَ يَتْرُكُهُ لِمَنْ يَلْحَقُهُ فَجَهِلَ رَسْمَهُ وَ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ وُهِبَ ذَلِكَ لَهُ فَتَعَلَّقَ بِهِ قَلْبُهُ لِمَا ظَنَّ أَنَّهُ لَهُ فَلَمَّا اسْتُرْجِعَ مِنْهُ حَزِنَ وَ تَفَجَّعَ وَ مَنْ كَانَ عَالِماً بِرَسْمِهِ انْتَفَعَ بِهِ وَ شَكَرَهُ وَ رَدَّهُ بِطِيبَةِ قَلْبٍ وَ انْشِرَاحِ صَدْرٍ وَ كَذَلِكَ مَنْ عَرَفَ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا عَلِمَ أَنَّهَا دَارُ ضِيَافَةٍ سُبِّلَتْ عَلَى الْمُجْتَازِينَ لَا عَلَى الْمُقِيمِينَ لِيَتَزَوَّدُوا مِنْهَا وَ يَنْتَفِعُوا بِمَا فِيهَا كَمَا يَنْتَفِعُ الْمُسَافِرُونَ بِالْعَوَارِي وَ لَا يَصْرِفُونَ إِلَيْهَا كُلُّ قُلُوبِهِمْ حَتَّى تَعْظُمَ مُصِيبَتُهُمْ عِنْدَ فِرَاقِهَا فَهَذِهِ أَمْثِلَةُ الدُّنْيَا وَ آفَاتِهَا
بيان حقيقة الدنيا و ماهيتها في حق العبد
اعلم أن معرفة ذم الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي و ما الذي ينبغي لك أن تجتنب منها و ما الذي لا يجتنب فلا بد و أن تبين الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها لكونها عدوه الله قاطعة لطريق أولياء الله فنقول دنياك و آخرتك عبارتان عن حالتين من أحوال قلبك و القريب الداني منهما يسمى الدنيا و هي كل ما قبل الموت و المتأخر المتراخي يسمى آخرة و هي ما بعد الموت فكلما لك فيها غرض و نصيب و شهوة و لذة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقك إلا أن كل ما لك إليه ميل و فيه نصيب و حظ فليس بمذموم بل هي ثلاثة أقسام القسم الأول ما يصحبك في الآخرة و تبقى معك ثمرته بعد الموت و هو شيئان العلم و العمل فقط و أعني بالعلم العلم بالله و بجميع صفاته و أفعاله و ملائكته و رسله و ملكوت