مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ١٠٣ - باب تهذيب الأخلاق
بعطشه عطش الخلق في عرصات يوم القيامة و من جوعه جوع أهل النار حين يجوعون فيطعمون الزقوم و الضريع و يسقون الغساق[١] و لا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة[٢] فإنه يهيج الخوف و من لم يكن في ذلة و لا علة و لا قلة و لا بلاء ينسى عذاب الآخرة و لم يتمثل ذلك في نفسه فينبغي أن يكون العبد في بلاء أو مشاهدة بلاء و أول ما يقاسيه من البلاء بلاء الجوع و لذلك قيل ليوسف ع لم تجوع و في يدك خزائن الأرض قال أخاف أن أشبع فأنسى الجائع و إنما أردنا بذكر الجوع و العطش هاهنا مداومة الصيام و قلة تناول الملاذ[٣]
رُوِيَ أَنَّ مُوسَى ع كَانَ جَالِساً فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ إِذْ أَقْبَلَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ عَلَيْهِ بُرْنُسٌ[٤] يَتَلَوَّنُ فِيهِ أَلْوَاناً فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ خَلَعَ الْبُرْنُسَ فَوَضَعَهُ ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَالَ مُوسَى مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا إِبْلِيسُ قَالَ فَلَا حَيَّاكَ اللَّهُ مَا جَاءَ بِكَ قَالَ جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ لِمَنْزِلَتِكَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَكَانِكَ مِنْهُ قَالَ فَمَا الَّذِي رَأَيْتُ عَلَيْكَ قَالَ بِهِ أَخْتَطِفُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ قَالَ فَمَا الَّذِي إِذَا صَنَعَهُ الْإِنْسَانُ اسْتَحْوَذْتَ عَلَيْهِ قَالَ إِذَا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَ اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ وَ نَسِيَ ذُنُوبَهُ وَ أُحَذِّرُكَ ثَلَاثَةً لَا تَخْلُ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّهُ مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا كُنْتُ صَاحِبَهُ أَفْتَتِنُهُ بِهَا وَ لَا تُعَاهِدِ اللَّهَ عَهْداً إِلَّا وَفَيْتَ بِهِ وَ لَا تُخْرِجَنَّ صَدَقَةً إِلَّا أَمْضَيْتَهَا فَإِنَّهُ مَا أَخْرَجَ رَجُلٌ صَدَقَةً وَ لَمْ يُمْضِهَا إِلَّا كُنْتُ صَاحِبَهَا دُونَ أَصْحَابِهِ حَتَّى أَحُولَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْوَفَاءِ بِهَا ثُمَّ وَلَّى وَ هُوَ يَقُولُ يَا وَيْلَتَاهْ عَلِمَ مُوسَى مَا يُحَذِّرُ بِهِ بَنِي آدَمَ
كَتَبَ بَعْضُهُمْ كِتَاباً إِلَى بَعْضِ أَخٍ لَهُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الزُّهْدَ فِي الدُّنْيَا رَاحَةُ الْبَدَنِ وَ الرَّغْبَةَ فِيهِ تُورِثُ الْهَمَّ وَ الْحُزْنَ فَإِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَهَيِءْ زَادَكَ وَ قَدِّمْ لِمَعَادِكَ وَ كُنْ
[١] الغسّاق: الماء البارد النتن.
[٢] بمعنى أن لا ينساه و يجعله نصب العين و ظنّ أن يراه برؤية القلب و العين.
[٣] الملاذ: لذائذ المأكولات.
[٤] برنس: قلنسوة طويلة كان النسّاك يلبسونها في صدر الإسلام و عن الازهرى كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كانت أو جبّة أو ممطرا.